الجزء الثاني: عودة الضحية
لم أعد إلى شقتي تلك الليلة. قضيتها في منزل صديقتي القديمة ورفيقة دربي “هناء”، التي كانت الوحيدة التي حذرتني مرارًا من كريم وتصرفاته، لكنني كنت أعتقد وقتها أنها تغار منه. عندما رأت وجهي الشاحب وذراعي المزرقّة، لم تفعل سوى أن احتضنتني وبكت معي بصمت. في تلك الليلة، لم أذرف دموع الانكسار، بل دموع الغضب الذي كان يطهو بداخلي ببطء ويحولني إلى شخص آخر.
في صباح اليوم التالي، تمام الساعة العاشرة، كنت أقف أمام مرآة غرفة هناء. ارتديت بدلة رسمية سوداء ورتبت شعري بعناية فائقة. لم تكن ملامحي تشبه تلك الفتاة المكسورة التي كانت تبكي على عتبات المساجد. كنت هادئة، باردة، وحادة كالماس.
وصلت إلى مقر شركة “العزايزي جروب” في وسط البلد، حيث يعمل كريم ومازن. لم تكن هذه المرة الأولى التي أزور فيها هذا المكان، لكنها المرة الأولى التي أعرف فيها أنني أدخل عرين الذئاب.
دخلت مكتب الاستقبال بخطوات واثقة. نظرت إليّ موظفة الاستقبال بدهشة، وقالت:
— أهلاً يا مدام ندى، أظن أنكِ غير مخصصة بموعد، لكن…
قاطعتها بابتسامة هادئة وصوت حازم:
— أخبري كريم العزايزي أن ندى سالم هنا، وأنها لا تحتاج إلى موعد للدخول.
قبل أن تنطق بحرف، دفعت باب المكتب الرئيسي بخفة ودخلت. كان كريم ومازن ومروان يجتمعون حول طاولة الاجتماعات الكبيرة، يتناقشون بابتسامات خبيثة. توقفوا جميعًا عن الكلام حين انفتح الباب.
بدت على وجه كريم ملامح الصدمة الممزوجة بالاستهزاء، فوقف وقال بصوته المستفز:
— أهلاً بالضحية المثالية! المقلب رقم 97 انتهى بنجاح، أليس كذلك؟ هل أنتِ مستعدة للمقلب التالي، أم أن ذراعك ما زالت تؤلمك من كيس الدم الوهمي؟
انفجر مازن ومروان ضاحكين.
تقدمت نحوه ببطء، ووضعت حقيبتي على الطاولة بهدوء تام. نظروا إليّ وكأنهم ينتظرون انهياري، أو أن أبدأ بالبكاء والصراخ كما عودتهم. لكنني نظرت في عينيه مباشرة وقلت بصوت هادئ ومستقر:
— المقالب حقًا كانت ممتعة يا كريم… لكن يبدو أنكم نسيتم قاعدة أساسية في قواعد اللعبة.
— وما هي؟ — سأل بسخرية وهو يعقد ذراعيه أمام صدره.
— أن اللعبة تنتهي حين يقرر اللاعب الذي يتحكم بخيوطها… لا الدمية.
فتحت حقيبتي ببطء، وأخرجت منها ملفًا سميكًا ألقيته أمامه على الطاولة.
— ما هذا؟ — سأل مازن بفضول مشوب بالقلق.
— هذا هو المقلب رقم 100 والأخير — رددت بابتسامة باردة — لكنه ليس من إعدادكم. إنه من إعدادي أنا.
فتح كريم الملف، وما إن وقعت عيناه على الصفحات الأولى حتى امتفع وجهه وتحول إلى اللون الأبيض الناصع. تراجعت دماء وجهه بالكامل، واهتزت يداه وهو يقلب الأوراق.
قال مازن بذعر وهو يميل لينظر إلى الملف:
— ما هذا يا كريم؟ ما هذه الأوراق؟!
نظرت إلى كريم الذي كان يتنفس بسرعة وصعوبة، وأجبت بدلاً عنه:
— هذه عقود مزورة، وتحويلات مالية مشبوهة باسم شركات “العزايزي”، ومستندات تثبت تورطكم في تسريب أبحاث تخرج سرية، فضلاً عن تقارير طبية وتسجيلات صوتية لليلة التبرع بالدم الوهمي، ومحادثاتكم الكاملة عبر تطبيق “واتساب” التي تنسقون فيها لكل مقالبكم الخبيثة… بما فيها محاولة تدمير مستقبلي الجامعي.
صرخ مروان وهو يفقد صوابه:
— أنتِ مجنونة! هل تسجلين لنا؟ من أعطاكِ هذا كله؟!
التفتّ إليه وقلت ببرود:
— صديقكم المقرب الذي سئم من ألاعيبكم، والذي أدرك أنكم قد تبيعون أي شخص من أجل نزوة أو رهان غبي… نعم، لقد حصلت على كل النسخ، وأهمها نسخة أصلية موجودة الآن بالفعل على مكتب النيابة العامة، ومعها بلاغ رسمي يحمل أسماءكم الثلاثة.
شحب وجه كريم تمامًا، وفقد تعاليّه المعتاد. تقدم نحوي بخطوات مرتعشة ومدّ يده ليمسك بذراعي، وقال بصوت متوسل يخفيه الغضب:
— ندى… اسمعي.. نحن كنا نمزح فقط! أيتها المجنونة، هل جننتِ حقًا؟ عائلتي ستدمرني، واسم “العزايزي” لن يتحمل فضيحة كهذه! كنت أعلم أنكِ تحبينني، ارجعي عن هذا البلاغ وسنتزوج حالاً، تماماً كما وعدتكِ! سأترك سارة وكل شيء من أجلكِ!
نظرت إلى يده وهي تمسك بذراعي، ثم رفعت عيني إلى وجهه المرتجف وقلت له بنبرة قاطعة:
— قبل ساعة واحدة فقط، كنتَ تقول لسارة وأصدقائك إنني مجرد لعبة للتسلية. والآن؟ ها قد انتهت لعبتكم إلى الأبد.
سحبت ذراعي من قبضته بقسوة جعلته يتراجع للخلف.
التفتُّ نحو الباب، وبينما كنت أخطو خارج الغرفة، نظرت إليهم للمرة الأخيرة وقلت:
— نتاج تبرعي بالدم كان في صندوق النفايات الأحمر… أما أنتم، فمكانكم الطبيعي هو المكان الذي ستأخذكم إليه الشرطة الآن.
خرجت من الشركة، وطوال طريقي نحو محطة القطار، شعرت أن الهواء أخيرًا أصبح نقيًا وخفيفًا. لم تعد ساقاي ترتجفان. نظرت إلى ذراعي حيث توجد الكدمة الزرقاء، وابتسمت لنفسي وأنا أردد بصوت خافت:
— انتهى الفصل الأول.. وبدأت حكايتي الحقيقية.