Travel

الجزء الثاني

ظل كريم ساجداً على ركبتيه أمام صورة والدته، ونظرات الذهول والندم تختلط على وجهه. أما سارة، فكانت تقف في زاوية الصالة وهي تضم طفلها إلى صدرها، تبدو عليها علامات التوتر والخوف من هذا المكان المظلم والمرعب الذي وجدته نفسها فيه فجأة.
ساد صمت طويل في أرجاء الشقة، لم يكسره سوى صوت هطول المطر الخفيف على النوافذ.
تقدمت بخطوات بطيئة وثابتة نحو الطاولة، ثم التفتُّ إليهم وقلت بصوت هادئ يحمل كل معاني القسوة التي استحقها:
“لماذا أنت مذهول إلى هذا الحد يا كريم؟ ألم تكن تبحث عن الاستقرار؟ ألم تفضل العيش هناك متجاهلاً كل نداءات الاستغاثة التي أرسلتها لك؟”
رفع كريم رأسه بصعوبة، ودموع الندم تلمع في عينيه، وقال بصوت متقطع:
“هبة… أرجوكِ… لم تكن تسعفني الظروف… كنت أريد أن…”
قاطعته بحزم وأنا أرفع يدي:
“لا تتحدث عن الظروف! أمك التي تركتها مريضة وطريحة الفراش، لم تطلب منك سوى كلمة أو سؤال، بل حتى المال الذي أرسلته في البداية توقفت عنه لكي تنفق على سارة وحقائبها الفاخرة!”
نظرت سارة بخوف نحو كريم، وبدت وكأنها تبدأ في إدراك حقيقة الرجل الذي تزوجته وجاءت معه، رجل باع أمه وتخلى عن زوجته المخلصة بكل سهولة.
لكنني لم أفرغ جعبتي بعد.
فتحت حقيبتي مرة أخرى، وأخرجت ملفًا رسميًا مختلفًا، ملفًا يحمل أختام المحاكم والجهات القضائية.
قلت له بنبرة صارمة:
“تظن أنني امرأة جاهلة لا تملك شيئًا، وأن مئتي ألف جنيه التي ألقيتها عليَّ كصدقة ستجعلني أقبل بالإهانة؟ اسمع جيدًا ما سأقوله لك.”
توقف كريم عن البكاء ونظر إليّ بعيون زائغة.
أكملت كلامي:
“خلال السنوات الثلاث التي قضيتهَا في الخارج، لم أكن أنتظر عودتك فقط، بل كنت أبني حياتي الخاصة. عملي الحر في التصميم الرقمي حقق لي نجاحًا كبيراً، ولم أعد تلك المرأة التي تنتظر راتب زوجها. بل على العكس تمامًا…”
ابتسمت بسخرية وأنا أشير إلى الشقة:
“هذه الشقة التي تقول إنها تخص والدتك، والتي تظن أنني لا أملك فيها شيئًا… لقد قامت الحاجة فاطمة -رحمة الله عليها- قبل وفاتها بشهرين، وبكامل إرادتها وقواها العقلية، بتسجيل عقد بيع نهائي وموثق بالشهر العقاري لكل ملكية الشقة باسمي وحدي!”
تسارعت أنفاس كريم، ووقف على أرجله المرتجفة وهو يهتف بعدم تصديق:
“ماذا تقولين؟! هذا مستحيل! أمي لا يمكن أن تفعل ذلك!”
أجبته بكل برود وأنا ألقي المستند أمامه على الأرض:
“بل فعلت، لأنها رأت بعينيها كيف كنت تتخلى عنها، وكيف كنت أنا من يسهر على خدمتها ويرיح ألمها. العقد قانوني وصحيح مئة بالمئة.”
ثم أشرت إلى الحقائب الخمس باهظة الثمن التي وضعوها بجانب الباب، وقلت:
“أما بالنسبة لك يا كريم، فقد جئت تبحث عن الطلاق وتظن أنك الطرف الأقوى. لكن أوراق الطلاق التي في حوزتي تتضمن شروطًا واضحة وموثقة: تنازل تام منك عن أي حق مالي، ونفقة كاملة للطفل الذي جئت به، بالإضافة إلى أن الحقائب الخمس التي اشتريتها لزوجتك الجديدة ستكون جزءاً من تعويض قانوني بسيط مقابل السنوات التي تحملت فيها تكاليف علاج والدتك وحدي.”
شحب وجه كريم تمامًا، ودرت الدنيا به. أدرك حينها أنه خسر كل شيء: أمه التي لم يودعها، وشقته التي أصبحت خارج ملكيته، وماله الذي ضاع في المظاهر الكاذبة.
أما سارة، فلم تتحمل الموقف، والتفتت بسرعة نحو الباب وهي تحمل طفلها، وفتحته مغادرة الشقة في منتصف الليل وهي تصرخ في وجه كريم قائلة:
“أنت خادع ومفلس! لقد خدعتني طوال هذا الوقت!”
تركها كريم تغادر دون أن يحرك ساكناً، ووقع على الأرض منهارًا يبكي بدموع لا فائدة منها.
وقفت بجانب صورة الحاجة فاطمة، نظرت إليها بهدوء، وشعرت أن حقي قد عاد، وأن سنوات الصبر والتعب لم تذهب سدى.
قلت لكريم بصوت أخير حاسم:
“الآن، يمكنك أخذ حقائبك المتبقية ومغادرة بيتي… انتهى كل شيء بيننا يا كريم.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
هنا