الجزء الثالث والأخير: سقوط الأقنعة وبداية جديدة

الجزء الثالث والأخير: سقوط الأقنعة وبداية جديدة
لم تكن تهديداتي مجرد كلمات طائشة أطلقها لرد الاعتبار، بل كانت ضربة محكمة ومدروسة. فما إن غادرت شركة “العزايزي جروب”، حتى كان البلاغ قد أخذ مجراه الرسمي في النيابة العامة، مدعمًا بالمستندات الدامغة التي كشفت ليس فقط عن محاولات تشويه وتزوير سابقة، بل عن شبكة من التلاعبات المالية والتهرب الضريبي التي تورطت فيها شركات العزايزي عبر سنوات.
خلال أقل من أربع وعشرين، تحول كبرياء عائلة العزايزي إلى رماد.
حاول والد كريم، رجل الأعمال النافذ، استخدام كافة علاقاته لإيقاف التحقيق، لكن القضية تسربت إلى وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن نشر أحد الصحفيين الاستقصائيين – الذي تواصلت معه هناء في السر – تفاصيل “مقالب الرهان الخبيثة” التي أودت بحياة كرامة فتاة بريئة وكادت تدمر مستقبلها، مرفقة بتسجيلات صوتية واضحة لصوت كريم وهو يفاخر بإذلالي.
في صباح اليوم الثالث، وأنا جالسة في صالون منزل أهلي القديم في شبرا، أقرأ كتابًا بهدوء تام، رن هاتف هناء وأرسلت لي مقطع فيديو قصيرًا من موقع إخباري:
كان كريم ومازن ومروان يخرجون من مقر النيابة العامة وأيديهم مقيدة بالأغلال، ووجوههم شاحبة تكسوها الهزيمة، بينما تحاصرتهم كاميرات الصحفيين من كل جانب. لم تعد نظرة الغرور والاستهزاء موجودة في عيني كريم؛ لقد انهار كل شيء أمامه في لمح البصر.
ولم تنتهِ فصول الدراما عند هذا الحد.
أما عن “سارة منصور”، الفتاة التي كان كريم يخطط للعودة إليها بعد التخلص مني، فقد كانت أول من تبرأ منه. بمجرد أن رأت سقوط إمبراطورية العزايزي والفضيحة المدوية التي ملأت الصحف، قامت بإغلاق جميع حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وسافرت خارج البلاد في تلك الليلة نفسها، هاربة من أي ارتباط باسمه، لتذوقه طعم الخيانة والغدر الذي أعده للآخرين.
في ذلك المساء، طرقت أمي باب غرفتي بهدوء ودخلت، ووجدتني أرتدي ملابسي استعدادًا للرحيل معهم إلى المنصورة. نظرت إلى ذراعي حيث كانت الكدمة الزرقاء الناتجة عن إبرة الدم قد بدأت أخيرًا تتلاشى وتتحول إلى لون باهت، وقالت بصوت دافئ:
— هل أنت متأكدة أنكِ لا تريدين البقاء هنا يا ندى؟ لقد تلقيتُ للتو اتصالاً من رئيس قسم الجامعة يخبركِ بضرورة العودة لاستلام براءة أبحاثك بعد أن أثبت التحقيق تزويرها من قِبل أشخاص مجهولين… كل شيء عاد إلى نصابه.
نظرت إلى المرآة، وابتسمت لأول مرة منذ سنوات دون خوف أو تردد. أدركت حينها أن الألم الذي مررت به لم يكن سوى نار صهرت ضعفي وحولته إلى صلب لا ينكسر.
أغلقت حقيبتي بيديّ ثابتتين، والتفتّ لأمي قائلة:
— نعم يا أمي… أنا جاهزة. لن نبقى هنا دقيقة إضافية. لقد انتهت القصة القديمة، وحان الوقت لأبدأ كتابة روايتي الخاصة.
خرجت من المنزل، وأنا أستنشق هواء الحرية والنقاء، متجهة نحو مستقبل يعود فيه الفضل كله لنفسي وحدي، لا لأحد سواها.



