ساعة النسيان: السر الذي كان يراقبه زوجي السبعيني في أحلامي

في الليلة الرابعة، كان الصمت في الغرفة أثقل من أي وقت مضى. كنت نائمة، لكن حواسي كانت في حالة استنفار دائم. وفجأة، شعرت بتلك الحركة المألوفة. تنفس ثقيل بالقرب من أذني، وهمس بصوت مبحوح جعل كل خلية في جسدي تنتفض. فتحت عيناي ببطء، لأجده مائلاً فوقي مباشرة، يده ممدودة ليست فوق وجهي، بل كانت تمسك بجهازي الصغير الذي أضعه في رقبتي منذ طفولتي، قلادة قديمة تركتها لي أمي قبل أن ترحل.
لم يلمسني، لكنه كان يحدق في القلادة بتركيز مرعب، وكأنه يرى فيها شيئاً لا أراه. تراجعت للخلف وأنا أرتجف: “شنوة قاعد تعمل؟ علاش تفرج فيا كل ليلة؟”.
بقي صامتاً للحظات، ثم تنفس بعمق وقال بنبرة هادئة لكنها كسرّت حاجز الخوف في داخلي: “أنا ما كنتش نتفرج فيك أنتِ.. كنت نستنى في الصوت اللي يطلع في نومك”.
تجمدت في مكاني. أي صوت؟ كنت أعاني منذ سنوات من كوابيس متكررة لا أتذكر منها شيئاً عند استيقاظي، لكن الجميع يقول أنني أتحدث في نومي بلغات غريبة وأذكر أسماء أشخاص لم أسمع بهم في حياتي.
أكمل بصوت خافت: “مرتي اللي ماتت، كانت عالمة في التراث القديم، وقبل ما تموت كانت تلوج على سر مدفون في عايلتكم. كنت نظن إنها خرفات، لكن النهار اللي شفتك فيه في جنازة عمك، عرفت إنك ‘المفتاح’. الصدى اللي يخرج منك وأنتِ راقدة، هو اللي كان يخليها تعيش في دوامة”.
في تلك اللحظة، انهار كل شيء بنيته في خيالي. لم يكن زواجاً من أجل المال أو شفقة، كان زواجاً من أجل “بحث” غامض ومجنون. قال لي إن القلادة التي أرتديها هي حجر الزاوية في لغز تركه جدي الأكبر، وهو يحتاج إلى كلماتي في لحظات اللاوعي لأتمكن من فك شفرة الخريطة الموجودة داخل القلادة نفسها.
طوال الليالي الماضية، لم يكن يراقب أنوثتي، بل كان يسجل بصوتي “كلمات المرور” التي تخرج من أعماق عقلي الباطن. شعرت بإهانة شديدة، وبغضب لم أشعر به من قبل. رميت القلادة على السرير ووقفت: “أنا مش لعبة في يديك، والديون اللي خلصتها والدار اللي عطيتها لنا، ما تبررش إنك تستغلني بهاذ الطريقة”.
نهض هو أيضاً، ولأول مرة رأيت في عينيه ضعفاً حقيقياً، ليس ضعف العجوز، بل ضعف الإنسان الذي أفنى عمره في البحث عن شيء مفقود. قال لي: “لو عرفتِ السر اللي مخبي في عايلتكم، ستعرفين أنني لم أكن أستغلكِ، بل كنت أحاول حمايتكِ من الذين يطاردون هذا السر أيضاً”.
أخرج من جيبه مفكرة قديمة، كانت مليئة برسومات لقلادتي ولرموز غامضة. أخبرني أن عائلتي لم تكن فقيرة بالصدفة، بل كانت مطاردة من منظمة سرية تسعى وراء “أثر” تاريخي تركه أجدادي. وأن زواجي منه كان الطريقة الوحيدة لإخفاء هويتي تحت اسم عائلة مرموقة ومحمية، ولإيقاف الكوابيس التي كانت تدمر أعصابي.
في تلك اللحظة، سمعنا صوت تكسر زجاج النافذة. أطفأ الأنوار بسرعة وسحبني خلفه. لم يعد الأمر مجرد لغز أو كوابيس، لقد بدأت الحقيقة تظهر، وبدأت حياتي التي ظننت أنها انتهت، تأخذ منحنى أخطر بكثير مما تخيلت. لم يعد هو “الرجل العجوز الغريب”، بل أصبح “الحارس” الذي كنت أجهل وجوده.
اكتشفت أننا في هذه اللعبة، لسنا فقط أطرافاً، بل نحن الهدف. والزواج لم يكن عقداً ورقياً، بل كان “عهد حماية” مقدساً، واللعبة الحقيقية بدأت للتو.
مع تلاشي صوت تحطم الزجاج في الغرفة، أدركت أن حياتي السابقة “البسيطة” قد انتهت إلى الأبد. الرجل الذي كنت أراه “عجوزاً غريباً” استلّ من تحت كرسيه جهازاً صغيراً لم ألحظ وجوده من قبل، وبحركة احترافية وسريعة، أمن المكان وبدأ يعطيني تعليمات كانت أشبه بخطط عسكرية.
نظرت في عينيه، ولم أعد أرى ذلك الرجل الذي يحاول استغلالي. رأيت فيه “الحارس” الذي أفنى عمره في حماية سر لا ناقة لي فيه ولا جمل، سوى أنني ولدت أحمل دماء تلك العائلة الملعونة. قال لي بصوت حازم: “من هذه اللحظة، لا تثقي بأحد، حتى بوالدك إذا اقتضى الأمر. القلادة التي في رقبتك ليست مجرد إرث، إنها مفتاح لأرشيف قديم يسعى الكثيرون لامتلاكه، وهم الآن يعرفون مكانك بفضل الأصوات التي سجلتها من نومك”.
تلك الليلة لم تكن مجرد بداية لحياة زوجية غريبة، بل كانت بداية “حرب” من أجل البقاء. فهمت أخيراً لماذا لم يلمسني، ولماذا كان يراقبني؛ لم يكن يراقب جسدي، بل كان يحرسني من “الكيانات” التي تتربص بي في أحلامي، والتي كانت تتواصل معي دون علمي.
خرجنا من المنزل عبر ممر سري لم أكن أعلم بوجوده تحت غرفتنا. بينما كنا نبتعد في عتمة الليل، نظرت إلى الخلف ورأيت أضواءً غريبة تقتحم منزلنا، أشخاصاً بملابس سوداء يقلبون المكان رأساً على عقب.
أمسك بيدي بقوة، وقال لي: “الآن، أنتِ لستِ مجرد زوجة، أنتِ أمانة التاريخ التي يجب أن أحميها حتى آخر نفس. والمال الذي أنفقته؟ كان أرخص ثمن دفعته في حياتي لشراء حياتكِ”.
سألتُه في تلك اللحظة، والدموع تغالبني: “وهل ستنتهي هذه الكوابيس يوماً؟”
نظر إلى السماء الملبدة بالغيوم وقال: “تنتهي حين نجد الأجوبة، أو حين نصبح نحن جزءاً من اللغز”.
في تلك اللحظة، أدركت أن رحلتي للبحث عن الأمان انتهت، لتبدأ رحلتي الحقيقية في كشف أسرار العائلة التي لم تكن يوماً عادية. وما زلت حتى اليوم، كلما نظرت في المرآة، أتساءل: هل أنا ما زلت أنا؟ أم أنني بدأت أتحول إلى ذلك السر الذي كان يراقبه في عينيّ كل ليلة؟




