همسة العتبة الأخيرة

همست في أذني بصوت خافت يشبه حفيف الورق الجاف، لكنه كان ثابتاً وواضحاً كالسيف:
“يا هند.. اللي جوه ده مش جوزك.. ده شيطان انسخخ في صورته.. اطلعي من البيت ده فوراً قبل ما يفوت الأوان، وصاحب البيت الحقيقي ميت منسًّي تحت البلاط!”
بردت الدم في عروقي، وحسيت أن الأرض بتلف بيا. فتحت عيني بصدمة وبصيت لها، فلقيت عينيها مليانة بدموع حارقة، كأنها بتشيل هم الدنيا كله لوحدها. وقبل ما أنطق بحرف واحد، ماما نادت عليها من بعيد وهي مستعجلة، فقامت تيته بهمة غريبة، وسندت على إيد بابا، ونزلت وهي باصة وراها بنظرة كلها رعب وتحذير.
جريت جوه الشقة ورجلي شايلاني بالعافية. دخلت الصالة، لقيت “معتز” واقف قدام المرايا بيظبط ياقَة قميصه، وبيلف وبيبتسم لي بابتسامة واسعة باردة، وقال بصوته العذب اللي عودني عليه: “مالك يا عروسستي؟ أهلك مشوا بدليه ليه؟ وليه تيته كانت باصة لي كدة وهي خارجة؟”
في اللحظة دي، جابني شريط السنين والمواقف القصيرة اللي فاتت دي كلها في ثواني. تذكرت لما استغربت إن طريقته اتغيرت فجأة بعد الفرح، تذكرت ريحة الغريبة اللي كنت بشمها أحياناً في الأركان كأنها ريحة تراب قديم، وتذكرت تلميحاته الغامضة عن عيلته اللي مفيش حد منهم ظهر في الفرح ولا حتى في العقد!
وقفت قدامه، وقلبي بيدق كأنه طبلة جوه صدري، وبصيت في عيونه اللي كانت بتلمع بلمعة غريبة أول مرة أشوفها، وسألته بصوت مرتعش: “معتز.. إنت مين بجد؟”
ضحك ضحكة قوية رنّت في أرجاء الشقة الخالية، ضحكة مكنتش ضحكته أبداً، وقال بصوت أخشن وأثقل بكتير: “تيته بتاعتك دي عرفت تكتشفنا متأخر قوي.. بس للأسف.. الباب اتقفل، ومبقاش فيه رجعة يا هند!”




