الحقيقة التي خلف الأبواب المغلقة

الفصل الثاني: الحقيقة التي خلف الأبواب المغلقة
نظرت إلى هاتفي ثم إلى أخي عادل الذي أغلق مكالمته بتباغت، وتقدم نحوي بخطوات متوترة وهو يحاول اصطناع الهدوء.
— «ماذا بك يا زياد؟ أين وصلت مع الأطباء؟» سألني بصوت مرتبك.
اقتربت منه مباشرة، ووضعت يدي على كتفه بقوة كادت تفقدني صوابي. قلت بصوت يغلي غضبًا:
— «أخبرني فورًا.. أين ذهبت أموال قطعة الأرض التي باعها أبي؟ ومنذ متى وأنت تتصرف في أموال العائلة وحدك؟»
شحب وجه عادل تمامًا، وارتجفت شفتيْه لبرهة قبل أن يحاول الهروب من الموقف بقوله:
— «عن أي أموال تتحدث؟ أنت تهذي بسبب التعب! أبي باع الأرض منذ سنوات وأنفق المال في علاج نفسه ومصاريف العائلة!»
— «لا تكذب عليّ!» صرخت في وجهه حتى التفت المارة في ممر المستشفى نحونا. «مريم أخبرتني بكل شيء. إما أن تفرغ ما في جعبتك الآن، أو والله العظيم أجمع العائلة كلها وأفضح كل ما تدبرونه من خلف ظهري!»
بدت علامات الارتباك والذعر واضحة على وجهه. فهم أخيرًا أن اللعبة انتهت، وأن الستار الذي حجب الحقيقة طوال سنوات قد سقط. تراجع خطوة للوراء، وأخفض صوته قائلًا:
— «اسمع.. الأمر ليس كما تتخيل.. نسرين زوجتي هي من اقترحت، وأمي وافقت.. عندما باع أبي الأرض، لم تكن المبالغ ضخمة كما تظن، ولكن أمي خافت أن تطالب بنصيبك أو أن تأخذ منه شيئًا لتصرفه على بيتك وزوجتك، فأقنعَت أبي بتسليم كل المبلغ لي لأشتري به شقتي وأؤسس مشروعي. وكان اتفاقهم معك أنك الابن الأكبر “الكبير الذي يتحمل المسؤولية”، ولست بحاجة لمثل هذه الدعم!»
كاد الأرض تميد بي. شعرت أن ركبتيَّ تكفان عن حملي. ليس فقط لأنني تعرضت للخداع والسرقة من أقرب الناس إليّ، بل لأنني أدركت الآن حجم الظلم الفادح الذي مارسته بحق مريم طوال تلك السنين؛ كنت ألومها على قسوتها، وأطالبها ببرّ عائلة لم تكن ترى فيها سوى خادمة رخيصة، وفي الوقت نفسه كانت عائلتي تطعنني في ظهري وتسلبني حقي، بينما كانت مريم صامتة.. لا تشمت، ولا تعيرني، بل تكتفي بأن تبني حياتها وحياة ابنتنا بجهدها وعرقي وعرقها.
أما أمي.. تلك المرأة التي صفقت فرحًا عندما أهنت زوجتي لفرض سيطرتها، أصبحت اليوم ملقاة على فراش المرض، عاجزة عن الحركة، والمال الذي حابَت به ابنيها الآخرين على حسابي اختفى في جيوب عادل ونسرين، ولم يتركوا لي سوى الفواتير والديون الطبية الثقيلة.
عدت إلى غриفة العناية، حيث كانت أمي تنظر إليّ بعينين تملؤهما الدموع والرجاء، متوقعة مني أن أقف إلى جانبها كما اعتادت دائمًا. لكنني وقفت عند باب الغرفة، ناظرا إليها بلا حراك. لأول مرة في حياتي، لم أرى فيها سوى امرأة عجوز دفعت ثمن ظلمها وجشعها بنفسها.
اتصلت بمريم مرة أخرى. ردت بهدوء تام وكأنها كانت تعلم بما سأقوله.
— «لقد علمَت الحقيقة، أليس كذلك؟» سألتني بنبرة هادئة خالية من أي شفقة أو تشفٍ.
— «نعم يا مريم.. كنتِ تعلمين بكل شيء طوال هذه السنين، فلماذا لم تخبريني؟ لماذا صبرتِ على كل هذا الذل والإهانة والفقر الذي فرضوه عليّ؟»
أخذت نفسًا عميقًا، وقالت بصوت يملؤه الأسى والحكمة:
— «لو أخبرتك في ذلك الوقت، لما صدقتني. كنت سترى في كلامي محاولة للوقيعة بينك وبين أمك وأخيك. الرجل لا يصدق طعنة أهله إلا إذا تلقاها بنفسه في ظهرد. ولهذا السبب صمتُّ طوال السنوات الثماني الماضية.. لم أكن أعاقبك أنت وحدك يا زياد، بل كنت أنتظر اليوم الذي تُسفر فيه الحقيقة عن وجهها الحقيقي، لترى بنفسك من هي عائلتك التي ضحيت بي من أجلها.»
غرقت في صمت عميق، بينما كانت الكلمات تتساقط كقطع الزجاج الحادة داخل صدري.
— «وماذا سنفعل الآن يا مريم؟» سألتها بانكسار تام. «أنا عاجز تمامًا، ولا أملك من أموال أمي شيئًا، ومصاريف علاجها تكدّست عليّ وحدي.»
قالت مريم ببرود حاسم:
— «أما عن رعاية أمك، فستتحمل عادل ونسرين مسؤوليتهما كاملة، فهما اللذان استوليا على المال، وعليهما اليوم أن يجلسا بجانب سريرها ويدفعا ثمن علاجها. وأما عنك أنت وابنتنا فريدة.. فالباب الذي أغلقته في وجهي يوم صفعتني ظل مفتوحًا على مصراعيه لخياراتك الخاطئة. أما أنا، فقد عشت لنفسي ولابنتي طوال ثماني سنوات، ولن أعود إلى ذلك البيت أبدًا.»
أغلقت الخط.
بقيت واقفاً في منتصف الممر المظلم، أسترجع تلك اللحظة التي وقعت قبل ثماني سنوات، حين صفعت زوجتي وظننت أنني “رجل البيت” وصاحب الكلمة العليا. أدركت حينها أن تلك الصفعتين لم تؤذِ وجه مريم وحدها، بل كانتا بداية النهاية لعائلتي المزعومة، والدرس القاسي الذي علمني أن الظلم لا يدوم، وأن صمت النساء العاقلات يحمل في بطنه عواصف لا تقهر.



