انـ،ـتقام الـ 15 ألف

قبل ما كريم وأمه ينطقوا بحرف، فتح باب الشقة من غير ما يخبطوا. دخل منه محامي الأستاذ “محمود” ومعاه السكرتيرة، وراهم مصور ومسجل صوت وصورة شغالين بانتظام.
أم كريم اتصدمت وقالت بصوت مخلوع: “إيه ده؟! مين دول؟!”
بكل ثقة، قعدت على الكرسي وعدلت قعدتي، وقلت: “دي ناس تنظم العقد الرسمي اللي طلبتوه يا خالتي… بس على طريقتي أنا.”
كريم حس إن في مصيبة بتتحضر، وبصلي بعيون مرهوبة وقال بصوت بيترعش: “سارة… إنتي بتعملي إيه؟ مش اتفقنا نتنازل ونسيب الأمور تمشي بالهادئ؟”
ضحكت بصوت هادي ووقفت، وطلعت ورقة اليانصيب التانية من جيبي وحطيتها على الطاولة قدامهُم بالتمام. قلت له: “تنازل إيه يا كريم؟ أنت فاكرني جاهلة ولا غافلة؟ إنت بعتني وبعت عشرة تلات سنين عشان عشرين مليون، ورجعتلي 15 فرنك في رسالة وقلتلي حسابنا خلص… وأنا وافقت.”
أم كريم قربت من الطاولة وبصت للورقة باستهزاء وقالت: “ورقة يانصيب تانية؟ فاكرة نفسك ناوية تربحي بيها؟ ما خلاص الحظ ضحك لكريم وبس!”
بصيت لها بابتسامة واسعة وقلت: “للأسف يا خالتي… الجائزة الكبرى الأولى لسحب النهاردة مش بتاعت العشرين مليون بس… دي الجائزة الكبرى الإضافية المسجلة بالرقم ده… وقيمتها ستين مليون فرنك، وأنا شريتها بفلوسي وباسم وحدي ومن وراء كريم تمامًا زي ما هو عمل بالضبط.”
كريم اتجمد في مكانه، ووشه اصفر وبقى أبيض زي الكفن. فتح فمه ومش قادر ينطق بكلمة واحدة، وعيونه بتتحرك بين الورقة وبين وشي كأنه شاف شبح.
كملت كلامي بكل برود وأنا بشاور للمحامي: “الأستاذ المحامي مسجل كل كلمة قلتوها دلوقتي من دخولكم باب الشقة… طمعكم، اعترافكم بأنكم طردتوني، وإنكم أخذتوا الشقة بالباطل، ورفضكم إعطائي أي حق من فلوس كريم القديمة… وبما إننا لسنا متزوجين رسميًا، فالشقة دي مسجلة بنصيب مترتب، بس بعقود الشراء الموثقة باسمي، وورقة الستين مليون دي ملكي الخالص100%.”
أم كريم صرخت وجات تهجم عليا، بس الكاميرات والمحامي كانوا أسرع في توثيق همجيتها. كريم وقع على ركبتيه على أرضية الباركيه، وبكى بحرقة مش مصدق الكارثة اللي عملها بإيده، لما ضحى بانسانيته وبيا عشان عشرين مليون، وضاعت منه ستين مليون كاملة كانت ممكن تكون تحت إيديه لو كان راجل بجد ومعروف بأصله.
بس الأوان كان قد فات.
أخذت شنطتي، وورقة الستين مليون في إيدي، وبصيت لكريم للمرة الأخيرة وقلت:
“حسابنا خلص فعلاً يا كريم… و15 فرنك بتوعك، اعتبرهم صدقة جارية على روح طمعك.”
سيبتهم جوه الشقة لوحدهم مع المحامي، وخرجت أشم هوا الشارع النظيف لأول مرة من سنين… وأنا عارفة إن الحياة الحقيقية بدأت دلوقتي وبس.








