أخبار

دموع تحت المطر: حين يزن «باكو المقرونة» وزن القلوب!

فتحته بصوابع ترتجف، لقات داخله رزمة من الأوراق النقدية من فئة الخمسين دينار، ومعها ورقة صغيرة مكتوبة بخط يد ولدها كريم، مزينة بكلمات مقلوبة على عجالة:

“سامحني يا أمي.. اعذريني، راني كنت مجبور نحكي بالطريقة هذيك قدام مرتي وبحكم الضغط والعيون إلي تحيط بيا في الدار، خفت لا تحس بشيء ولا تعمل مشاكل. الفلوس هاذي الكل تكفي حق العملية وزيادة، وصدقيني، غلاوتك عندي فوق كل شيء، وبقدرة ربي الجمعة الجاية نكون عندك في الدار العربية باش نهزك أفضل مصحة خاصة ونبقى معاك لين تقوم بالسلامة.”

وقفت الحاجة عائشة في وسط الدار، والدموع تنحدر بصمت على خدودها المتعبة، لكنها المرة هذه مش دموع قهر ولا وجع، بل دموع فرحة مكسورة ونبض قلب ارتاح أخيرًا بعد خوف طويل. عرفت وقتها إنو ولدها ما نساش خيرها، وإللي برود الدنيا وظاهرها الخادع ما ينجموش يطمسوا أصل التربية الحقيقي.

مقالات ذات صلة

مسحت دمعتها بكتبية يدها، وضمت الظرف لصدرها بحنان، وقالت بصوت خافت تملؤه الدعوات: “الحمد لله يا ربي.. ما خاب ظني فيك يا ولدي، ربي يحميك ويبعد عليك ولاد الحرام.”

وفي اللحظة هذيكا، احترق “باكو المقرونة” فوق الكانون وحده، بينما نار قلب الأم طفت أخيرًا ودفات بالحب والحنان.

علمتنا حكاية الحاجة عائشة أن المظاهر قد تخدعنا أحيانًا، وأن القلوب الطيبة وحدها هي التي تدرك خبايا النفوس دون الحاجة للكلام. فرغم جفاء الموقف وقسوة اللحظة الأولى تحت المطر، كان “باكو المقرونة” رمزا لسر صغير أخفى خلفه حنانا لم يغادره قط، وبرهانا على أن تربية السنين لا تضيع سدى.

وفي النهاية، تبقى دعوة الأم الصادقة هي الدرع الحقيقي الذي يحمي الأبناء، ويبقى بر الوالدين، مهما اختلفت أشكاله وظروفه، الكنز الحقيقي الذي لا ينضب أبدا في هذه الدنيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
هنا