أخبار

صقر قريش وميدان التحدي

وقفت “الميّاسة” في الميدان كالشعلة الموقدة، تترقب الفارس القادم ليكون الأول في اختبار قريش. ولم تكد تنهي كلماتها، حتى انشق صف فرسان قريش وتقدم فارس طويل القامة، يعلو صهوة جوادٍ أدهم، ويبدو في محياه الوقار والذكاء الحاد.
إنه عمرو بن هشام نفسه، الذي قرر ألا يترك أمر ابنه حنظلة للظن، بل أراد أن يخوض التجربة بنفسه أولاً ليعلم سر هذه الفتاة التي أذهلت العرب، أو لعلها حيلة سياسية أراد حسمها بنفسه.
نادى عمرو بصوت جهوري:
“يا ربيبة كِندة، إن قريشاً لا تقهر في المعامع، وإن ما ترينه اليوم ليس مجرد خطبة، بل شهادة ميلاد لتحالف عظيم. هيئي سيفك!”
ابتسمت الميّاسة تحت خوذتها الحديدية، وردت بصوت حازم:
“أهلاً بسيد قريش، لكن السيوف هنا لا تعترف بالوجاهة، ولا تحابي الشيوخ ولا الفرسان!”
صراع الأبطال في صحراء الحجاز
دار جواد عمرو بن هشام بدائرة واسعة، وانهال برمح موجه نحو كتف الميَّاسة بحركة سريعة خبيرة يتقنها فرسان الحجاز المخضرمون. لكن الميَّاسة، برشاقة نادرة، مالت بجسدها على ظهر “الجوّال” فتفادت السنان، وردت سريعاً بضربة محكمة بسيفها قطعت جزءاً من رداء عمرو وأربكت حساباته.
تعالت اصوات الحاضرين دهشةً؛ ففارس قريش المعروف بالحكمة والدهاء يجد نفسه في مأزق حقيقي أمام فتاة لم تتجاوز العشرين!
استجمع عمرو قواه، وترجل عن جواده مفضلاً المبارزة القتالية اليدوية بالسيف، لكونها تمكنه من استغلال عزم الساعدين. وتبادلا ضربات عنيفة تكسرت فيها الأنفاس، وسط ذهول سادة قريش الذين تيقنوا أنهم أمام أسطورة حية.
نهاية الميدان وبداية التحالف
بعد جولات طاحنة كادت تنهك الطرفين، استطاعت الميّاسة بخفة غير مسبوقة أن تباغت عمرو بحركة التفافية، فوجهت سيفها بحرفية فائقة ليستقر عند موضع نحره تماماً، معلنة السيطرة الكاملة على مجريات النزال دون أن تسفك قطرة دم واحدة، ودون أن تخدش كبرياء الرجل الكبير.
أخفض عمرو سيفه ببطء، وتوقف النزال. نظر إليها بعين ملؤها الإكبار والاحترام، ثم قال بصوت خاشع يعلوه التقدير:
“أشهد أنكِ لستِ كنساء العرب، وأن كِندة أنجبتِ فارساً نادراً، ومهرة لا تقهر. لقد خسرت النزال بشرف، وما كان العز لنال إلا لمن يستحقه.”
رفعت الميَّاسة سيفها باحترام وردت التحية بمثلها. وهنا، أدرك سادة قريش أن الإصرار على القتال عبث، فتقدم عمرو بن هشام ليعلن أمام الجميع احترام قريش لقرارها، وأن هذا النزال التاريخي قد أسس لعلاقة احترام متبادل، بل وحلف قوي ظل يتناقله الرواة أجيالاً طويلة، لتظل قصة “الميّاسة” درساً في الشجاعة والسيادة والرفعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
هنا