أخبار

عندما يسقط قناع الحياة المثالية

عندما يسقط قناع الحياة المثالية
وقفت أمام الباب الخشبي العريض للشقة رقم 201 في العمارة الثالثة، ويدي تكاد تترتجف على حقيبتي. كانت دقات قلبي تتسارع وكأنها قر طبول معلنة بداية معركة لن تبقي ولن تذر. لم أكن أخطط لشيء محدد، ولم أعلم وقتها هل أبحث عن مواجهة حارقة أم عن كسر آخر حلقة من الوهم الذي عاش طوال ثماني سنوات.
ضغطت على جرس الباب، وثوانٍ معدودة مرت حتى فتحت لي امرأة شابة شعرها منسدل بعفوية على كتفيها، وفي عينيها دهشة خفيفة لم تمهلني الوقت لأتأمل ملامحها.
ـ “أهلاً.. تفضلي، هل أنتِ مندوبة الشركة؟” سألتني وهي تحسبني شخصاً آخر.
تأملت وجهها بملامحه الصادقة البريئة، وعينيها اللتين لم تعرفا خبث السنوات التي عشتها؛ شيرين. أدركت في تلك اللحظة أن الغضب الذي كان يحرق صدري قبل قليل تلاشت حدته ليحل محله هدوء جليدي غريب.
دخلت بخطوات ثابتة دون أن أجيبها، وجلت ببصري في صالة الاستقبال الأنيقة. على طاولة القهوة الصغيرة في منتصف الغرفة، كانت هناك لعبة أطفال صغيرة وكتاب تلوين مفتوح. وفي تلك اللحظة بالضبط، خرج الصغير من إحدى الغرف وهو يجر وراءه سيارة بلاستيكية صغيرة، ونادى بصوت بريء مفعم بالحياة: “بابا؟ جئت يا بابا؟”
تجمدت في مكاني. التقت عيناي بعيني الصغير الذي يحمل ملامح حازم تماماً، تلك التفاصيل التي طالما حفظتها في وجه زوجي، تجسدت أمامي في طفل لا يذنب في شيء سوى أنه ولد لعالم من الأكاذيب.
التفتت شيرين إليَّ بخوف وقد لاحظت جمودي ونظراتي التي تفحص كل زاوية، وسألت بنبرة يكتنفها القلق: “من أنتِ؟ وكيف دخلتِ هكذا؟”
نظرت إليها بهدوء قاتل، والتصقت الكلمات في حنجرتي قبل أن أنطقها بصوت هادئ ومسموع:
ـ “أنا الزوجة التي بنى لها حازم هذا البيت بمالها وجهدها.. زوجته القانونية التي قضاها طوال ثماني سنوات يخدعها تحت سقف واحد.”
انعقد لسان شيرين، وسقطت اللعبة من يد الصغير. تحول وجهها إلى شحوب تام وهي تراجع تفاصيل الحكاية في عينيّ. لم تصرخ، ولم تفتعل مشهداً درامياً، بل سقطت على أول مقعد قريب، ووضعت يديها على وجهها وهي تهمس بصوت منهار: “أقسم لكِ.. أقسم لكِ أنه أخبرني أنه طلقك منذ سنين، وأنكم تعيشون معاً كأخوين فقط بحكم العشرة، وأنه سيعلن طلاقكم رسمياً قريباً.. أقسم لكِ أنني لم أكن أعلم!”
ساد صمت ثقيل في الشقة، لم يقطعه سوى صوت الصغير الذي بدأ يبكي خوفاً من حالة التوتر المفاجئة.
جلست على الأريكة المقابلة لها، وفتحت حقيبتي بهدوء وأخرجت عقد الشقة وكشف التحويلات البنكية الذي أحضرته معي كاحتياط، ووضعتهما أمامها على الطاولة.
ـ “أنتِ لم تكوني تعلمين، وأنا كنت أعلم للتو.. لكن النهاية واحدة يا شيرين.” قلتها وأنا أتأمل صمتها المهزوم.
أخذت هاتفي واتصلت برقم حازم، ورن الهاتف مرتين قبل أن يفتح الخط بصوته الجاد المعتاد:
ـ “دينا؟ هل هناك أمر طارئ؟ أنا في اجتماع مطول ولن أعود قبل العاشرة.”
تنفسدت بعمق، وابتسمت بمرارة قبل أن أجيبه:
ـ “لا تقلق يا حازم، الاجتماع ليس طويلاً.. أنا معك الآن في الشقة رقم 201 بمجمع سيتي فيو.. بانتظارك لتنضم إلى اجتماعنا العائلي.”
سمعت صمتًا مطبقًا وصدمة كاملة على الطرف الآخر من الخط، قبل أن يتلعثم بصوت مرعوب: “دينا.. أرجوكِ.. اسمعي…”
أغلقت الخط في وجهه، ووقفت مستعدة للمغادرة. نظرت إلى شيرين التي كانت تبكي بصمت، وإلى الطفل البريء البريء من ذنب الكبار، ثم التفت نحو الباب وفتَحته.
لقد انتهت مسرحية الثماني سنوات. المال الذي دفعته ليبدأ مطعمه الصغير عاد إلي بطريقة أخرى، لكنني ربحت نفسي في المقابل، وتخلّصت للأبد من بيت لم يكن سوى جدار من خشب الأرو المزيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
هنا