صدمة غرفة المستشفى

الجزء الثاني: الحقيقة المظلمة (تكملة القصة)
ساد صمت مطبق في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت أجهزة المستشفى المنتظمة.
نظرت إلى أمي التي كانت ترمق فارس بنظرات مليئة بالاحتقار، ثم عدت بنظري إليه. كان الرجل الذي هرب خوفاً من المسؤولية، والذي باع عشرة سنوات من الزواج بحجة “الطموح”، يقف الآن عاجزاً عن الكلام، وعيناه مسمرتان على تلك الصغيرة التي تحمل ملامحه بحذافيرها.
“ماذا تعني أنها كذبت؟” سأل بصوت متقطع، وكأن عقله عجز عن استيعاب الكلمات. “أخبرتني أنها تأكدت من الأمر.. أخبرتني أنك فقدت الجنين في الشهر الثاني بسبب الإرهاق!”
أطلقت ضحكة قصيرة وخالية من أي مشاعر.
“وهل صدقتها بهذه السهولة يا فارس؟ أم أنك كنت تبحث عن عذر مريح لتنساني وتتزوج غيري بضمير مستريح؟”
تلجلج في كلامه: “أنا.. أنا كنت تحت ضغط، وهي كانت…”
“كانت ماذا؟” قاطعته بحدّة، ونبرة صوتي ترتفع تدريجياً. “كانت تريد أن تقطع كل حبل يربطني بك نهائياً! لكنها غفلت عن شيء واحد.. الحقيقة لا تظل دفينة إلى الأبد، خصوصاً عندما تنبض بالحياة.”
اقترب فارس خطوة أخرى نحو السرير، ومدّ يدًا مرتعشة كأنه يريد لمس وجه الطفلة، لكنه توقف في اللحظة الأخيرة وكأن يده احترقت.
“أرجوكِ يا ليلى.. أخبريني بقية القصة. كيف لم أعلم شيئاً؟ لماذا لم تحاولي الاتصال بي؟”
هنا، رفعت رأسي ونظرت إليه نظرة جعلته يتراجع للخلف من شدة برودتها.
“أنت لم تحاول الاتصال بي عندما احتجت إليك يا فارس. أنت من طردني ونعتني بأبشع الصفات عندما قلت لك إنني حامل. أخبرتني بالحرف الواحد: ‘هذا ليس وقت أطفال، ولست مستعداً لتدمير مستقبلي من أجل غلطة’.”
تجمّدت الدموع في عينيه. تذكر كلماته القاسية التي رماها في وجهي يوم طردني وهي أثقل ما يكون.
“لكن النقطة الأهم يا فارس…” أخذت نفساً عميقاً وأكملت بهدوء مرعب: “…ليست في كذبة خطيبتك، ولا في سبب مجيئك اليوم وأنت ترتجف.”
عقد حاجبيه بخوف وقال بصوت بالكاد يُسمع: “ماذا تقصدين؟”
ابتسمت ببطء وأنا أنظر إلى باب الغرفة المفتوح، حيث كانت أمي تراقب بصمت، قبل أن أقول:
“الطفلة التي بين يديّ.. ليست ابنتك الوحيدة التي أخفيتها عنك في هذه الأشهر الستة.”
اتسعت عيناه حتى كادت ترتجاج مقلتاه، وفتح فاه ليقول شيئاً، لكن الكلمات اختفت تماماً.
“ما.. ماذا تعني؟!” هتف بصوت مختنق.
“أنا لم أنجب طفلة.. أنا أنجبت توأماً.”
دوت الجملة في أرجاء الغرفة كالصاعقة.
شحب وجهه تماماً، وسقطت حقيبة أوراقه من يده لتصطدم بالأرض بصوت عالٍ. قبل أن يفقس البيض، وقبل أن يدرك أن حفل زفافه المقرر بعد أيام قد تحول إلى رماد، كان الهاتف في يدي يرن برقم شخص آخر.. شخص كان يقف خلف الكواليس ينتظر بفارغ الصبر أن ينتهي هذا الفصل ليبدأ الحساب الحقيقي.
لم تكن خطيبته هي الوحيدة التي تكذب.. بل إن فارس نفسه كان يعيش في كذبة أكبر بكثير مما يتخيل.




