سرّ الغرفة رقم 12

دخل للغرفة بقلب يخفق بالخوف والندم، يديه ترتجف، وحامل في كيس صغير بعض الهدايا والدواء. فتح الباب بشوية، وهو منادي: “يَا بَا.. جيتك يا الغالي، سامحني..”.
لكن الشاشة أو المنظر اللي كان قدامه في الغرفة جمّد الدم في عروقه وخلّاه يحسّ إلي الدنيا الكل تدور بيه.
ما لقاش بوه ملقى على السرير متألم ولا حزين كيما كان متصور.. شاف بوه قاعد على طاولة وسط الغرفة، ولابس بدلة أنيقة ونظيفة برشا، ودايرين بيه مجموعة من كبار السن يضحكوا ويشربوا في القهوة، وعسّاس الدار أو الممرض يغني ويضحك معاه.
الأب التفت وشاف ولدو، وقف بشموخ، وعينيه لمعت بدموع الفرحة.. مشى بخطوات ثابتة نحو ولدو، وحط يدّو على كتفو وقال بصوت دافئ: “أهلاً يا ولدي.. جيت في وقتك، كنت مستنيك باش تفرح معايا!”.
الولد، وعينيه مزغللين بالدموع والدهشة تملي عليه، سأل بصوت مكسور: “يا بَا.. شبيك هكا؟ كيفاش؟ وأنا اللي جيت خايف لا تكون متقلق ولا تعبان؟”.
ابتسم الأب ابتسامة عريضة وقال له: “يا ولدي، نهار اللي جبتني لهنا وعينيك مدمعة وقلبك مكسور، حسيت إلي أنا وليت ثقل كبير عليك وعلى مرتك، وكنت ناوي ننسحب من حياتكم بهدوء باش ما نكدّرش عليكم.. لكن الحكاية ما وقفتش غادي. كيف دخلت للدار، لقيت مؤسس الدار صديق قديم ليّا من أيام الطفولة ومن زمان، وتفاجأ بوجودي، وعرض عليّا إدارة شؤون الدار ومساعدة أصحاب العناية بالمسنين بخبرتي الإدارية الطويلة، وخلقنا جو عائلي كبير ومريح ما كنتش نحلم بيه، واليوم بالذات تمّ تكريمي كأحسن نزيف ومسير في الدار، وعندي مفاجأة ليك!”.
هزّ الأب ورقة رسمية من فوق الطاولة ومدها لولدو، وقال: “هذي وثيقة تمليك لمشروع صغير عملتو من مدخراتي الخاصة ومن الدعم إلي لقيناه هوني، وحبيت نسجلها باسمك أنت وحدك، باش تعرف إلي الأب عمري ما يغضب على ولدو، حتى لو ظلمه.. ربي يسامحك يا ولدي، وأنا سامحتك، لكن الأهم أنك تتعلم إلي رضا الوالدين كنز ما يتشرش بفلوس الدنيا الكل”.
طاح الابن على ركبتيه يبكي بحرقة، وباس يدين بوه وهو يطلب في السماح على كل قطرة دمعة هبطت بسببه، وحسّ في لحظتها إلي خسارة أمه ربي يعوضها له بوجود بوه اللي أعطاه أكبر درس في العفو والتسامح.
رجّع الابن حساباته الكل من جديد، وقرر يقلب صفحة حياته، ويفهم إلي رضا الأب والوسيلة للجنة ما تتعوضش حتى بكنوز الدنيا، وانه مهما كانت الضغوطات، راحة البال تبدا من برّ الوالدين.




