أخبار

حين يبتلع الظلام حقيقة العشق

الفصل الثاني: بين رماد الحقيقة ولهيب الندم
لم تكن الكلمات التي ألقاها فؤاد كفيلة بإنهاء العاصفة، بل كانت شرارة تفجرت في مستنقع من الأكاذيب الممنهجة التي روتها العمة طوال أشهر طويلة. وسط عتمة الليل وبرودة الأرض الرطبة حيث ألقت بها أيدي الحراس، استعادت ليلى وعيها على ألم لا يطاق يمزق جسدها المنهك. لم يكن الألم الجسدي هو ما يدمي قلبها، بل صدى تلك الجملة التي تردد في ذهنها بلا توقف: «أنا ما بخلفش».
كيف لا يخلف وهو الذي كان يغمرها بالحنان؟ وكيف تحول الرجل الذي رأت فيه أمان عمرها إلى جلاد أعمى تقوده خيوط امرأة عجوز متفرغة للخراب؟
في تلك اللحظة، وسط الدماء التي لوّنت فستانها الفيروزي الباهت، أقسمت أن تعود. ليس لتستجديل العطف من وحش مُسير، بل لتنتزع الحقيقة من جذورها وتكشف وجه العمة “الحرباء” أمام الجميع.
اعتراف خلف الأبواب المغلقة
داخل القصر، كان الصمت المطبق يلف أرجاء المكان بعد أن هدأت عاصفة الجنون. وقف فؤاد في ركن الغرفة مذهولاً، ينظر إلى آثار الدماء على سجادة غرفة المعيشة وقطع الطعام المتناثرة بجانب الشموع التي انطفأت. دخلت العمة بخطوات بطيئة ترتسم على وجهها ابتسامة نصر خبيثة، واقتربت منه قائلة بنبرة ماكرة:
— اههدى يا بني.. الحمد لله إنك اكتشفت حقيقتها بدري قبل ما تبتليك بنسب موش ليك. بنات الأصول معروفين، ودي واحدة باين عليها جايات الشوارع زي ما قلت.
التفت إليها فؤاد بعيون تملؤها الحيرة والشك، وبصوت خافت يخترقه الارتعاش:
— يا عمتي.. هي لم تكن تبدو هكذا.. هل كنتِ متأكدة حقاً من كل ما تقولينه؟ شعرت بشيء غريب في صوتها قبل أن تضربني، كأنها كانت مصدومة تماماً من كلامي عن الإنجاب!
تجهم وجه العمة سريعاً وارتجف صوتها وهي تحاول تدارك الموقف بحدة مصطنعة:
— عايز تبرر لها يا فؤاد؟! بعد كل اللي عملته؟ دي خططت توقعك في شباكها من أول يوم! انسى أمرها، المهم إننا خلصنا منها.
لكن الشكوك التي زرعها كلام ليلى الأخير بدأت تنبت في عقل فؤاد كالشوك. قرر أن يبحث بنفسه في غرفتها، وهناك.. بين طيات ملابسها المبعثرة، وجد الدليل الذي لم تفقده ليلى: دفتر ملاحظات صغير دُوّن فيه تاريخ بدء زواجهما، وتفاصيل دقيقة عن الأدوية والمقويات التي كانت العمة تحرص بنفسها على تقديمها له يومياً بحجة “الحفاظ على صحته ونشاطه”.
مفاجأة الطبيب وانكشاف الخديعة
في صباح اليوم التالي، وفي إحدى العيادات السرية بعيداً عن أعين القصر، كان الطبيب العجوز الذي رافق عائلة فؤاد لسنوات طويلة ينظر إلى التقارير الطبية بملامح يملؤها الأسف. وقف أمامه فؤاد شاحب الوجه، يرتجف كالطير المذعور، وسأله بصوت خجش:
— أرجوك يا دكتور.. قل لي الحقيقة.. هل أنا فعلاً عاجز عن الإنجاب كما يقال؟
تنهد الطبيب بعمق ووضع الأوراق على المكتب قائلاً بحزم:
— عاجز؟! من قال لك هذا الكلام يا فؤاد بي؟ تقاريرك الطبية سليمة مئة بالمئة، ولم تكن تعاني من أي عائق صحي طوال حياتك.. إلا في فترة وجيزة مضت، لاحظت فيها وجود نسب معينة من مثبطات الهرمونات وموانع الحمل في تحاليلك الدورية التي كنت تجريها هنا!
سقطت الكلمات على رأس فؤاد كالصاعقة. اتسعت عيناه وارتجفت شفتاه وهو يصرخ بجنون:
— موانع حمل؟! في تحاليلّي أنا؟! من فعل هذا؟!
— اسأل من كانت تشرف على طعامك وشرابك وتصر على إعطائك مقوياتك بنفسها طوال خمسة أشهر كاملة، أجاب الطبيب بنبرة حاسمة.
انهار فؤاد على الكرسي، وأدرك حينها هول الجريمة التي ارتكبها بحق الزوجة البريئة التي أحبته بصدق، وبحق طفلهما الذي كان ينبض بالحياة في أحشائها.
عودة المنتقمة وصدمة القصر
في هذه الأثناء، لم تكن ليلى استسلمت للموت. وجدت من ينقذها في اللحظات الأخيرة؛ سائق عجوز طيب القلب يعمل في جوار القصر، رأى حالتها المأساوية فنقلها إلى مستشفى صغير بعيد، حيث تلقت الإسعافات العاجلة واطمأنت على سلامة جنينها الذي تمسك بالحياة بقوة تشبه إصرار أمه.
بعد أيام قليلة، عاد فؤاد إلى القصر كالطيف المفقود، عيناه حمراوان من البكاء والندم، ووجهه يقطر قهراً. دخل الصالون حيث كانت العمة تحتفل بنجاح خطتها مع خادمتها، فوقف أمامهما كالسيف المسلول. لم يصرخ، بل قال بصوت بارد مرعب:
— اللعبة انتهت يا عمتي.. التقارير كلها معي، والشرطة في طريقها إلى هنا.
شحب وجه العمة وارتجفت يداها وهي تحاول التراجع:
— أنت.. أنت ترفض كلامي من أجل تلك الساقطة؟
— الساقطة هي التي ربتني على مائدة الغدر، وأنت من حرمتني من طفلي ومن زوجة كانت تنظر إليّ بعين العشق، هتف بها فؤاد وهو ينظر إليها بنظرات تحرق ما حولها.
في تلك اللحظة، فتح باب القصر الواسع، وخلت ليلى تتقدم بخطوات ثابتة وواثقة، رغم شحوب وجهها وآثار الكدمات التي تزين جبهتها، يحيط بها محامٍ وشهود. وقفت أمام فؤاد الذي سقط على ركبتيه يبكي بدموع الندم ويحاول تقبيل يديها مسترحماً، لكنها نظرت إليه نظرة أغلقت أبواب القلب للأبد وقالت:
— العشق لا يُبنى على أنقاض الدم يا فؤاد.. والعدالة وحدها هي من ستتولى أمر هذه الجدران.
ابتعدت عنه متخذة طريقها إلى الخارج، بينما كانت صيحات العمة تتردد في أرجاء القصر الخاوي، إعلاناً لنهاية إمبراطورية أقيمت على الخداع وسقطت بفعل صرخة مظلومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
هنا