حمام الزريبة / زغوان

في مىأساة إنسانية تهىزّ القلوب وتفتح جىراح الواقع الاجتماعي القىاسي، رحلت “أمل خذر”، أمّ لثلاثة أطفال، بعد أن وضعت حدًّا لحياتها بطريقة مىأساوية في منطقة حمّام الزريبة من ولاية زغوان. حاذثة صاذمة، لا بسبب تفاصيلها فقط، بل لما تخفيه من معىاناةٍ طويلةٍ عاشتها هذه الأم البسيطة في صمت، وسط ظروفٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ خىانقة جعلت الحياة بالنسبة لها عبئًا ثقيلاً لا يُحتمل.
في يومٍ عادي، ذهبت أمل إلى جارتها، تركت أبناءها الثلاثة عندها وقالت لها بهدوء: “تو نرجع…”. كلمات بسيطة لم تكن تُنذر بأنّها ستكون آخر ما يُسمع منها. مرت الساعات، وانتظرها الجميع، لكنّها لم تعد. حينها، دبّ القلق في نفوس الجيران، وتوجه البعض إلى منزلها ليتفقدوا الأمر. وهناك كانت الصذمة الكبرى: أمل كانت قد تناولت دواء الفئران محاولةً إنهىاء حياتها. وجدها الأهالي في حالةٍ حىرجة، تلفظ أنفاسها الأخيرة، فنُقلت على جناح السرعة إلى المستشفى، لكنّ القدر كان أسرع، إذ فىارقت الحياة متأثرةً بما تناولته.
وقاة أمل خذر لم تكن مجرّد حادثة عابرة، بل جرس إنىذارٍ قويّ يُدقّ في وجه مجتمعٍ يزداد فيه الأىلم بصمت، ومشهدٍ يعكس حجم المعىاناة التي يعيشها الكثير من العائلات المعوزة في تونس، خاصّةً النساء اللواتي يتحمّلن عبء الفقر والحرمان ومسؤولية الأبناء بمفردهن.
كانت أمل تنتمي إلى عائلةٍ بسيطة وفقيرة، معروفة في الجهة بطيبتها وصبرها رغم ما تمرّ به من أزمىاتٍ متتالية. كانت تكافىح يوميًا لتوفّر القليل لأبنائها، تواجه قىىىوة الواقع بوجهٍ مبتسم، لكنها كانت تخىفي وراءه تعب السنين وثقل المسؤوليات.
بعد وقاتها، لم يكن لعائلتها حتى القدرة على تغطية تكاليف مراسم الدقن. وهنا تدخّل كلٌّ من الهلال الأحمر التونسي وجمعية المسنين لتأمين حاجيات العىزاء والدقن، في مشهدٍ مؤىلمٍ آخر يكشف هشاشة الوضع الاجتماعي لعائلاتٍ كثيرة في مناطق الداخل. مشهد دقن امرأةٍ رحلت بصمت، لكنّها تركت وراءها ثلاثة أطفالٍ لا ذنب لهم سوى أنّهم وُلدوا في واقعٍ لا يرحم الضعفاء.
قصّة أمل ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، لكنها تذكيرٌ مؤىلمٌ بأنّ وراء كلّ بابٍ مغلقٍ قد تكون هناك معىاناةٌ لا تُرى، وبأنّ الجار، كما أوصانا به الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس مجرّد شخصٍ يسكن بجانبنا، بل هو عِرضٌ وسندٌ وإنسانٌ من لحمٍ وذمٍ علينا أن نتفقده ونقف معه قبل أن يقع ما لا يُصلح بعده شيء.
ربما لو وجدَت أمل من يُصغي إليها، من يُواسيها أو يُخفف عنها قليلاً، لما اختارت هذا المصير. فاليأس لا يولد فجأة، بل يتراكم مع كلّ ليلةٍ بلا طعامٍ كافٍ، مع كلّ فواتيرٍ غير مدفوعة، مع كلّ نظرةِ طفلٍ جائعٍ تنتظر جوابًا لا تملكه الأمّ.
اليوم، أصبحت أبناء أمل الثلاثة أيتامًا في مواجهة واقعٍ أقىىىى من قبل. يعيشون فراغ الأمّ، وغياب الحنان، وظروفًا قد لا ترحم طفولتهم. ومن هنا، تُطرح الأسئلة المؤلمة: أين دور الدولة؟ أين الجمعيات التي تُعنى بالأسَر الهشّة؟ وأين التضامن المجتمعي الحقيقي الذي يُنقذ الأرواح قبل أن تُزهق؟
إنّ قصّة أمل خذر ليست مأساة عائلةٍ واحدة، بل مأساة وطنٍ بأكمله حين يُترك الفقراء وحدهم في مواجهة البىؤس. هي صىرخةٌ من تحت التراب لكلّ من يملك ضميرًا، لتذكّرنا بأنّ الفقر ليس عارًا، لكنّ تجاهل الفقراء هو العىىار الحقيقي.
رحم الله أمل، وغفر لها، وجعل مثواها الجنة، ونسأل الله أن يُلهم أبناءها الصبر والثبات، وأن يُلين قلوب الناس والمسؤولين معًا ليتفقدوا كلّ “أمل” أخرى قبل أن تخبو حياتها بصمت.
حمام الزريبة – زغوان








