العروس الهاربة.. والمدير

“والدتي؟” قاطعها بابتسامة ساخرة لم تصل لعينيه الحادتين. “هل نلوم الوالدة الآن؟ سارة، أنتِ لستِ طفلة، وأنا لستُ مغفلاً لأصدق أنكِ هربتِ بملابس الزفاف لتجدي فرصة عمل في سوسة بعد ثلاثة أسابيع تماماً.”
اقترب خطوة أخرى، حتى أصبح بإمكانها شم رائحة عطره الخشبي القوي، الذي جعل رأسها يدور. “أنا هنا أبحث عن مترجمة محترفة لشركة دولية، لا عن عروس هاربة من التزاماتها.”
حاولت سارة استجماع شتات نفسها، مسحت بكف يدها على سروالها بخفية، ورفعت رأسها لتواجهه رغم ارتعاش أطراف أصابعها. “أنا لستُ هاربة، أنا كنتُ أبحث عن كرامتي التي داسوا عليها في بيتكم ليلة العرس. كنتُ أبحث عن حياة لا أكون فيها مجرد ‘زوجة ابن’ في سجلات العائلة، بل كيان له وجود.”
صمت إسكندر للحظة، ملامحه لم تتغير، لكن بريق عينيه اختلف. كان يراها الآن لا كهاربة، بل كندية تحدٍ. “كلام جميل يا سارة. مثالي جداً لـ CV.”
تراجع خطوة، وأشار إلى الكرسي أمام مكتبه. “بما أنكِ هنا، وبما أنني لا أخلط بين الأمور الشخصية والمهنية… فلنعتبر هذا الجزء الثاني من المقابلة. إذا أثبتِ كفاءتكِ في الترجمة الفورية الآن، ربما أوقع معكِ عقد العمل… أما إذا فشلتِ، فسيكون لي تصرف آخر بخصوص عقدنا الآخر.”
سحب ملفاً من تحت المكتب وفتحه أمامها. كانت أوراقاً قانونية معقدة باللغة الألمانية. “أمامكِ عشر دقائق لترجمة هذه الفقرة. ابدئي.”
جلست سارة ويدها ما زالت ترتجف، لكن بمجرد أن بدأت بقراءة السطور، تلاشت الغرفة، تلاشى إسكندر، وتلاشت ذكرى ليلة العرس. عادت ‘سارة الطالبة المتفوقة’ التي لا تهزمها النصوص. بدأت تترجم بثقة، وصوتها الذي كان خافتاً بدأ يعلو ويصبح أكثر رسوخاً.
إسكندر كان يراقبها، ليس كمدير يراقب موظفة، بل كصياد يراقب فريسة بدأت تكتشف قوتها. كان يعلم أنها موهوبة، لكنه لم يتوقع هذا الجموح في عينيها.
بعد عشر دقائق، وضعت القلم. “انتهيت.”
نظر في الأوراق بهدوء، ثم نظر إليها. “الترجمة ممتازة. لكن يا سارة، هل ظننتِ حقاً أنكِ ستعملين في شركتي تحت أنظاري كل يوم، ونحن ما زلنا مربوطين بورقة في خزنتي؟”








