المواجهة وليلة الحساب

لما قلتلو “ما عندكش الحق تسجلو من أصلو”، هشام وشه جاب ألوان الطيف الكل، وتقلب فرد قلبة. الخوف الممزوج بالغل ظهر في عينيه، وبدا يستوعب اللي الكارثة طاحت فوق راسو. حب يربح الوقت ويثبت إذا كان الصغار سمعوا حاجة، مشى يجري لبيتهم وثبت عليهم لقاهم يسكروا في محفظاتهم ويلبسو في بيجاماتهم، رجعلي للكوجينة وراه وسكر الباب بالسياسة وهو يلهث تقول كان يجري:
“مريم، يهديك، شعملت؟ فضحتني قدام الشيف ومخرّبة ديار! المدير طلبني وقالي نهار الإثنين تحضر في مجلس التأديب بتهمة استغلال كرهبة الشركة لأمور شخصية وفساد إداري.. وأمي طاحلها السكر ونقلوها للاستعجالي بسبتك وفضحايحك في الجروبات!”
غزرتلو بكل برود، ويديا ما وقفتش وهي تغرف في الشوربة السخونة في الصحافي، وحس المغرفة يضرب في الفخار كأنه دقات ساعة الحساب:
“ثبّت روحك يا هشام.. أمك طاحلها السكر خاطر ولدها طلع خاين وما يسواش وكاذب، والمدير متاعك باش يطردك خاطر شاف فيك سارق وساقط وخاين الأمانة.. أنا ما تبلّيتش عليك، وما زدت حتى كلمة من عندي. أنت بصوتك، وبلسانك، وبتخطيطك الرخيص فضحت روحك وقدّمت قديتك بيدك. توا ابعد من قدامي خليني نعشي صغاري، ريحتك ووجودك في الكوجينة بقاو يقززوني.”
الليل هذاكا كان أطول وأصعب ليل تعدى عليا في حياتي كاملة. هشام ما خرجش من الصالون، شادد تليفونو والضوء متاعو عاكس على وجهو الأصفر، والتليفون مشعل بالرنات والميساجات اللي ما حبتش تسكت. خوه “إلياس” يطلب ويعاود، يبعث في الميساجات يحب يصلح الموقف ويغطي على عار خوه ويقولي “استهدي بالله يا بنت الناس والصلح باهي”، وأختي “سحر” من شيرة أخرى تبعثلي في ميساجات دعم وتقولي: “برافو مريم، بردّتلي على قلبي، الراجل الخاين لازم يتفضح في الساحة العامة وما يتسترش عليه!”
أما أنا؟ دخلت لبيت الصغار، قعدت بجنب “يوسف” و”نور” وهم راقدين في أمان الله، ما في بالهمش ببيتهم اللي اتهد في لحظة. غزرت لوجوههم الملائكية، والدموع اللي حبستهم النهار كامل هبطوا شلالات حرّقوا خدودي. حسيت بوجيعة وضغط في ڨلبي ما يعرف بقوتها كان ربي؛ 12 سنة من عمري، من شبابي، وتعبي تسرقوا مني وتعداو قدام عيني كأنهم مسرحية وكذبة كبيرة. تذكرت قداش من مرة جاني تعبان وقالي “عندي مأمورية خدمة في صفاقس” ولا “لازم نمشي لبنزرت نثبت في السلعة ونبات غاديك”، وأنا النية، المغفلة، نطيب ونظف ونستنى فيه وندعيلو باللطف والتوفيق وهو بايت في أحضان وحدة أخرى.
مع الـ 4 متاع الصباح، وقت اللي الدنيا سكتت والظلام مخيم، فقت بحس حركة وقربعة في الصالون. خرجت نلقى هشام جابد صاك كبيرة وبدا يلم في دبشو، في حوايجو، وفي روايحو الغالية اللي كان يشري فيها على جالي وجال عشيقتو. شافني واقفة نغزرلو، وقف وحط إيديه في حزامو ورجع لنبرة الاستعلاء الكذابة متاعو:
“توا هكا ارتحت؟ خسرتيني في خدمتي، وفضحتي عيلتي بين العباد، والصغار باش يترباو بلاش بو وتتشتت العائلة. سيرين عملتلي بلوك من كل بلاصة ملي شافت الفويس في الجروب وخافت على سمعتها، والناس الكل ولات تبزق عليا في الشارع وفي الخدمة. جيتك بالسياسة وحبيت نلقى حل، وأنت اخترت الفضيحة والخراب.”
قربت منو خطوتين، وبكل ثقة وقوة غزرت في وسط عينيه اللي ما عادش منجمة تطلع فيا:
“أنت اللي خربت كل شيء نهار اللي دخلت للوتيلات ونسيت اللي عندك مرأة صايناك وعندك صغار يستناو فيك. الدبش اللي تلم فيه توا، اخرج بيه وتوا قبل ما يطلع الضوء، وما عادش تعفّس عتبة الدار هذه. المحامي متاعي توا يتكفل بيك وبيقية الحكاية في المحكمة.”
خرج وسكر الباب وراه، ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت بهواء نظيف وبارد دخل لصدري ونحى عليا غمة السنين. الحكاية ما وفاتش غاديك، ومازال قدامي عراك طويل في المحاكم على الطلاق والنفقة وحضانة الصغار، وباش تقابلني أيامات صعيبة.. أما الحاجه الوحيدة اللي متأكدة منها ومطمنة ليها، هي إنو “مريم” القديمة ماتت، وما عادش باش تكون الضحية الساكتة والمغفلة اللي تصدق أي حكاية تتقاللها بالسياسة








