بيت حمايا

قعدت على الفرش وبدني يترعش الكل، قفل عليا الباب من بره! السمع عندي ولى حاد لدرجة إني كنت نسمع في دقات قلبي وهي تضرب في صدري كيف الطبل. علاش قفل عليا؟ هل ما صدقنيش وطالع يتأكد وباش يطلقني وإلا يضربني؟ وإلا الصدمة شلت تفكيرو؟ سمعت خطوات كريم وهي تتحرك في الصالة، بخطوات ثقيلة وموزونة، ما فيهاش حتى اندفاع ولا عصبية، وهذا اللي رعبني أكثر. الخطوات مشات لبيت حمايا، سمعت صوت الباب وهو يتحل، وبعدها ساد هدوء..
هدوء قاتل استمر لحوالي عشر دقايق، كنت نموت فيهم في المرة مية مرة، والأفكار الخايبة تروح وتجي في راسي، لين سمعت صوت الباب الخارجي للدار يتحل، وصوت حمايا وهو داخل من بره، يكح كحتو العجوزة التعبانة.
لحظتها روحي خرجت، قلت خلاص، كريم باش يواجه بوه، وباش تصير مجزرة في الصالة، وإلا فضيحة تنهي الدار هذي باللي فيها. كتمت نفسي وفضلت حاطة وذني على باب البيت المقفول، نستنى نسمع صوت تعيط كريم، وإلا عتاب، وإلا حتى صوت بكي.. أما الغريب، والمخيف، إنو ما فمة حتى صوت طلع! السكات كان سيد الموقف، سكات مريب يخلي العقل يطيّر. فات ساعة كاملة وأنا محبوسة، لين سمعت تكة المفتاح في باب بيتي. الباب تحل، ودخل كريم ووجهو كان أصفر كيف الليمونة، وعينيه ذابلين وفيهم نظرة حزن وكسرة عمري ما شفتها فيه من نهار اللي عرفتو. قفل الباب وراه بالعقل، وجاء قعد جنبي على الفرش، شد يدي اللي كانت باردة كيف الثلج، وبص في القاعة وقال بصوت واطي ومبحوح: “مروة.. أنا نحبك تمشي تقعدي عند أمك نهارين.. تهدي أعصابك وتنسي اللي شفتيه جملة”.
أنا تهبلت، الصدمة لجمت لساني لحظات، وبعدين صرخت فيه بصوت مكتوم: “نمشي عند أمي؟ أنت شنية قاعد تقول يا كريم؟ أنا اللي نمشي؟ بدل ما تواجه بوك باللي عملو؟ بدل ما تقولي شنية القرف والمهزلة اللي قاعدة تصير في دارنا؟ أنت تقفل عليا الباب وتطلع تلم الموضوع معاه وعايز تخرجني أنا؟ أنت مصدق اللي هو عملو؟ أنت شفت الثقبة بعينيك؟”
كريم رفع عينو في عيني، ودمعة سخونة نزلت على خدو، وهز راسو وقال: “شفتها يا مروة.. شفتها.”
“ومادام شفتها ساكت علاش؟ ما تكلمتش علاش؟” صرخت فيه وأنا ننهار.
كريم خذ نفس طويل، وقال: “مروة.. نحبك تهدي وتسمعيني بالباهي. أنا أول ما حكيتلي على الثقبة، فهمت كل شيء في ثانية، عقلي رجع بيا لورا يجي عشرين سنة.”
بصيتلو باستغراب ودموعي على خدي، فكمل وهو يبكي: “أنا وأنا صغير جاني مرض نادر في القلب، نوع من أنواع السكتات المفاجئة اللي تجيك وأنت راقد من غير حتى مقدمة. في العمر هذاك، دخلت في غيبوبة كاملة وأنا راقد في بيتي، وما حد حس بيا، ولولا إن بويا دخل بالصدفة يغطيني ولقى وجهي أزرق ونبضي واقف، وعملي إنعاش، كنت نموت. من نهارها وبويا جاه هوس وخوف مرعب عليا، كان يقعد في ظلمة بيتو في دارنا القديمة، وعمل ثقبة وراء الدولاب تطل على فرشي باش يقعد عينو عليا طول الليل يطمن إني نتنفس من غير ما يحسسني إنو كاتم على نفسي. المرض هذا اختفى كي كبرت، أما كي أمي ماتت فجأة وهي راقدة جنبو من كام شهر، الصدمة رجعتلو كل الهوس القديم متاع زمان، أما المرة هذي أشرس بمليون مرة. هو وافق يجي يعيش معانا موش خاطر تعبان، هو وافق خاطر خايف الموت يخطفني أنا زادة وأنا راقد بعيد عليه!”
كريم خذ نفس طويل وكمل: “أنا أول ما خرجت من عندك، مشيت لبيتو ونحيت البرواز وشفت الثقبة بيدي، ولقيت الكراس اللي كاتب فيه مواعيد تقلباتي وأنا راقد بالدقيقة والثانية. ولما بويا رجع من بره، أنا واجهتو.. دخلت معاه للبيت وقعدت قدامو وقلتلو: يا بابا، أنا مقدر خوفك عليا ومقدر إنك تعمل هكا باش تحميني، أما أنا توة راجل معرس وما يجيش تراقبني بالطريقة هذي ولا يجي تعمل ثقبة تطل علينا في بيتنا حتى لو كنت خايف عليا، الدار هذي ليها حرمتها وحياتي ما عادش وحدي.” كريم مسح دموعو وبصلي وقال: “بويا انهار من الخجل والعياط، وحس إنو تشد في وضع مهين وضايقنا، وقالي إنو ما كانش يقصد أي سوء أما خوفو عماه. على هذاكا يا مروة، بويا باش يمشي الصباح، باش يرجع لدارو، هو كان قاعد هنا باش يراقبني لا تجيني حاجة، ومادام أمرو تكشف هو موش باش يتحمل يقعد دقيقة وحدة والكسرة في عينيه.”
كلام كريم وجع قلبي، الراجل الغلبان المكسور هذا كان يعصر في شبابو وصحتو في ظلمة البيت باش يطمن إن ولدو مازال حي، والشيطان خلاني نظن فيه أبشع ظن! ما رقدتش طول الليل وأنا نخمم، لين جاء الصباح. سمعت حس حركة في الصالة، قمت بالسرعة وخرجت، لقيت حمايا واقف ولم دبشو في الشكارة، ووجهو في القاعة وعينيه حومر، وكريم واقف قدامو بقلب مكسور موش عارف شيعمل.
قربت منهم وبالسرعة خذيت الشكارة من يد حمايا وحطيتها في القاعة، وبصيتلو بكل حنان واحترام وقلتلو: “وين ماشي يا بابا؟ أنت موش باش تخرج من هنا، أنت باش تقعد معانا وفي وسطنا طول الوقت.” حمايا رفع عينو في عيني بذهول وخوف، فكملت وقلتلو: “يا بابا أنت موش مضطر تعمل ثقبات في الحيط ولا تسهر تعذب روحك طول الليل في الظلمة.. أنا موجودة يا حبيبي، أنا ديما جنب كريم وفي حضنو، وباش نرد بالي عليه ونعس على نفسو وقلبو وما نسيبوش ثانية وحدة. ارقد أنت وارتاح واطمن، ولدك في أمان، وإحنا ما لينا بركة إلا أنت.”
لحظتها حمايا سيب الشكارة وقعد على الكرسي وبدأ يبكي بحرقة، أما المرة هذي كانت دموع راحة وأمان موش دموع خزي. كريم بصلي بنظرة امتنان وعينيه معبيين بالدموع، وعرف إن الدار هذي تسكرت على سرنا وحبنا، وإننا قدرنا نحميو الراجل الطيب هذا من وجيعتو وخوفو.








