عندما تغلق الأم أبوابها

وقف كمال مذهولاً، يده ترتجف وهو يحاول إدخال البطاقة مرة أخرى، والويتر ينظر إليه بنظرات بدأت تتحول من الاحترام إلى التوجس. سارة، التي كانت ضحكتها تملأ المكان، تجمدت ابتسامتها وهي ترى وجه زوجها قد فقد كل معالم الطمأنينة.
“هات الفيزا الثانية يا كمال، خلص بسرعة خلينا نمشي، الجو فسد”، همست سارة بانزعاج.
أخرج كمال بطاقته الأخرى، لكن النتيجة كانت هي نفسها: “العملية مرفوضة”.
في تلك اللحظة، رن هاتفه. لم تكن رسالة بنك هذه المرة، بل كان اتصالاً من “إدارة البنك”. رد كمال وصوته يرتجف: “ألو؟ شكون معايا؟”.
جاءه صوت رجل رسمي وهادئ: “سيد كمال؟ معك مصلحة التحصيل بالبنك. نحب نعلمك اللي ملف القرض الخاص بك تم تحويله بالكامل لقسم التنفيذ القانوني، والدار اللي تسكن فيها تم وضعها تحت إجراءات الحجز التحفظي لأن المقترض الأصلي والمُسدد للقسط قام بسحب التوكيل المالي والتوقف عن السداد”.
سقط الهاتف من يد كمال على الطاولة. سارة صرخت: “شكون هذا؟ واش صاير؟”.
كمال لم يجب، كان عقله في مكان آخر.. كيف لأمه أن تملك سلطة إيقاف كل شيء؟ ومن أين كانت تأتي الأموال؟
في تلك اللحظة، دخلت امرأة أنيقة جداً إلى المطعم، كانت تمشي بثقة غير معهودة، ترتدي “سفساري” حريري مطرز بطريقة عصرية، وعيونها تلمع بقوة لم يعهدها كمال فيها من قبل. كانت “أم كمال”.
لم تذهب نحو كمال، بل توجهت مباشرة إلى طاولة المدير. تبادلا الحديث، ثم أخرجت ورقة من حقيبتها ووقعتها. نظر المدير إليها بتقدير واحترام كبيرين.
حينها التفتت نحوهما. مشت ببطء حتى وصلت إلى طاولتهما.
سارة وقفت بوقاحة: “جيتي تكملي النكد؟ كمال، قلها تخرج من هنا!”.
نظرت إليها الأم بنظرة باردة، ثم التفتت إلى كمال وقالت بصوت مسموع لكل من في المطعم:
“يا كمال، كنت نظن اللي قريتك وعلمتك باش تكون راجل، طلعت تظن إن ‘الأم’ هي مجرد آلة صرافة تخدمك وتتذل باش ترضيك. الدار هذي اللي تسكن فيها، والقرض اللي كنت تخلص فيه بفلوسي، والشركة اللي تخدم فيها وتظن إنك مديرها.. كل هذا كان بفضل ‘عبد الحميد’ الله يرحمه، اللي كان يخدم مع كبار المستثمرين في البلاد.”
ساد صمت مطبق في المطعم. واصلت الأم كلامها:
“تلك الشقة لم تكن بنظام التمويل العقاري العادي كما كنت تظن.. لقد كانت بضمان ‘حساب استثماري’ باسمي أنا، وكنت أدفع القسط من أرباح ذلك الحساب، لا من لحمي الحي كما كنت تظن بسذاجة. اليوم، قمت بسحب الاستثمار، وتم تصفية كل شيء. الدار لم تعد باسمك، والبنك سيبدأ إجراءات الإخلاء غداً صباحاً.”
كمال وقف مصدوماً: “شنوة تحكي يا أمي؟ كيفاش؟”.
ابتسمت الأم ابتسامة خفيفة وقالت: “يا وليدي، أنت اخترت ‘راحتكم’.. وأنا اخترت ‘حريتي’. بالمناسبة، صاحب هذا المطعم هو الذي اشترى ديونك من البنك، وهو الآن ينتظر خروجك لأنك لا تملك حتى ثمن العشاء الذي طلبته. تعلم أن تأكل من عرق جبينك لا من كرم أمك التي استرخصتها.”
التفتت الأم وغادرت المطعم بخطوات ثابتة، تاركة كمال وسارة في مواجهة واقعهم الجديد، بينما كان “الويتر” يقترب منهم ومعه رجل أمن المطعم ليطلب منهم إما الدفع أو مواجهة الشرطة.
خرجت الأم إلى الشارع، تنفست هواءً نقياً، ونظرت إلى السماء وقالت: “سامحني يا عبد الحميد.. ربيتهم على الطيبة، لكنهم نسوا أن الأم هي التي تبني، وهي الوحيدة التي تستطيع أن تهدم إذا فُتحت أبواب الظلم.”








