أخبار

لحاف الفجر

وبعد أول شهر عرس، قررنا نعملوا “عزومة” لأهلي وأهلها باش يباركولنا. كانت القعدة ماشية جو، والضحكة معبية الدار، لين دخلت أمي للكوجينة باش تعاون منال، وأنا كنت في الصالون مع الرجال.
فجأة، سمعت صوت عياط وهرج ومرج.. جريت نجري للكوجينة، لقيت أمي شادة الفوطة هذي بيديها ورافعاتها لفوق، ومنال قاعدة في القاعة تبكي وتندب في حظها، وأهلها مصدومين والوجوه صفارت!
أمي، بقلة حكمة منها وبطريقة جارحة، بدات تعيط: “هذا اللي كنتِ مخبيته يا عروسة الغفلة؟ تطلع مرتي ولدي عندها تبول لا إرادي وما تحشمش؟ جاية تخدع ولدي وتخبي عليه علتها؟”.
كلمات أمي كانت كيف السكينة في قلبي قبل قلب منال. الموقف كان لا يحسد عليه، ومنال كانت في حالة انهيار تام، تحاول تخبي وجهها وتغطي روحها من نظرات الناس اللي كانت كأنها خناجر.
أنا وقفت مذهول، الحقيقة كانت أكبر من صدمة الفوطة.. الحكاية طلعت أعمق من مجرد “فرش”. منال في لحظة ضعف، اعترفت قدام الجميع وهي تبكي: “والله ما كنت نحب نخدعك يا أحمد.. والله المرض هذا فيا من الصغر، حاولت بكل الطرق نطبب، وجربت كل الأدوية، لكن النفسية والمشاكل اللي عشتها في دارنا خلاتني ديما خايفة.. خفت نخسرك لو عرفت الحقيقة، خفت تطلقني وتتخلى عليا كيف ما عملوا برشا قبلك..”.
الدار سكتت تماماً، نظرات أهلي كانت قاسية، لكن أنا في اللحظة هذيكا، حسيت بوجيعة منال أكثر من أي حاجة أخرى. شفت فيها “البنت الصغيرة” اللي خايفة من الدنيا، وموش “المرأة الخداعة” اللي أمي تحكي عليها.
وقفت، وقربت منها وسط نظرات الاستغراب من الجميع، مسحتلها دموعها، وقلت لأمي وللناس اللي حاضرين بكل ثبات: “منال مرتي، والي فيه خير ربي يكتبه.. اللي صار ما يقللش من قيمتها عندي، والابتلاء هذا نتحملوه مع بعضنا، موش نفضحوه”.
هزيت منال وخرجنا من الدار، وتركنا وراءنا كلام الناس والفضايح.. ومن النهار هذايكا، بدأت رحلة جديدة بيناتنا، رحلة العلاج والستر.. لكن السؤال اللي بقى يتردد في راسي: هل الحب وحده كافي باش يداوي جروح الماضي؟ وهل علاقتنا باش ترجع كيف قبل بعد ما “المستور” انكشف قدام العيلة الكل؟
بعد اللي صار، خذينا قرار أنا ومنال إننا نبعدوا على ضغط العايلة فترة، ونركزوا في حياتنا. الأيام الأولى كانت صعيبة، ومنال كانت ديما حاسة بالذنب وتخاف لا نزهق منها، لكن كنت ديما نذكرها إن “المرض” موش عيب، والعيب هو الغدر، وهي ما غدرتش، هي كانت مريضة وخايفة تفقد حب حياتها.
بدينا رحلة العلاج بجدية، قعدنا مع أطباء مختصين، واكتشفنا إن حالتها كانت مرتبطة برشا بضغوط نفسية قديمة عاشتها في صغرها، وبفضل الصبر والمواظبة، بدات حالتها تتحسن تدريجياً. الأهم من هذا الكل، إن العلاقة بيناتنا ولات أقوى وأصدق. “المستور” اللي كان يفرق بيناتنا، ولا هو الجسر اللي خلانا نوليوا صريحين مع بعضنا في كل صغيرة وكبيرة.
بعد ستة شهور، رجعت المياه لمجاريها مع العايلة، لكن بشروطي.. طلبت منهم الاحترام، وأمي فهمت إن الستر كان أقوى من الفضيحة، وإن البيت اللي يبنى على المودة والرحمة ما يتهدش بكلمة.
تعلمت في الحكاية هذه إن الزواج موش ديما وردي كيف ما نشوفوه في الأول، هو اختبار حقيقي لمعادن الناس. ومنال، الجوهرة اللي حبيتها من أول نظرة، طلعت أقوى مما كنت نتصور، ومحبتي ليها زادت وقت اللي شفتها تحارب باش تتغير وتعيش معايا حياة طبيعية.
الحقيقة المرة اللي كشفتها أمي، كانت في الأصل “بداية لشفاء” منال.. لأن الستر يبدا كي نبطلوا نخبيوا الوجيعة على أعز الناس لينا.

زر الذهاب إلى الأعلى
هنا