سراب في ليلة العمر

هزني سليم بين يديه بقوة، مشى بيا للجهة الأخرى من الغرفة وين المراية الكبيرة.. حطني قدامها، ووقف ورايا، حط يديه على كتافي وهو يهمس بصوت مبحوح: “شوفينا يا هنا.. شوفي كيفاش كنا نحلموا، وكيفاش ولينا.. شوفي الوجع في عينيا، وشوفي الرعب في عينيك.”
في اللحظة هذيكا، وبدون سابق إنذار، طاح التلفون من فوق الطاولة.. صوت طيحته في الهدوء القاتل خلى سليم يتلفت بخضة. قرب سليم من التلفون، لقاه يضوي برسالة جديدة من رقم مجهول.
حل الرسالة، ووجهه تبدل تماماً.. ولى أصفر، وعروق وجهه تنفخت. رمى التلفون قدامي وقال بصوت يرجف: “اقرأي.. اقرأي اللي دمر حياتنا!”
هزيت التلفون بيدي اللي ترعش، لقيت تصويرة مبعوثة.. تصويرة لواحد دكتور في الكلينيك اللي عملت فيها “الفحص الطبي” قبل العرس بجمعة بركة. وتحت التصويرة مكتوب: “اللي صار صار، واللعبة تمت بنجاح، سليم ماعادش يطالك يا هنا.”
شهقت بصدمة: “سليم.. أنا ما نعرفوش! والله ما نعرفوش! هذي مؤامرة!”
سليم تلفت لي، نظراته تغيرت من القسوة للحيرة.. قرب مني وشد وجهي بين يديه بقوة: “شكون هذا؟ وكيفاش وصلوا ليك؟ علاش يعملوا هكا فينا؟”
قبل ما نجاوب، سمعنا صوت تكسير في باب الشقة.. وكأنه فما شكون اقتحم الدار. سليم طفّى الضوء بسرعة، جذبني من يدي وخباني ورا ظهره، وشد “المشجب” اللي كان حذاه..
: “اسمعني يا هنا، لو صار أي شي، اهربي للبيت الدرج (السطح) واطلبي البوليس، فاهمة؟”
حسيت الدنيا دارت بيا.. العرس اللي كان لازم يكون بداية دنيتنا، تحول لفيلم رعب ومؤامرة غامضة. لقيت روحي في وسط صالون دارنا، في ليلة عرسي، مخبية ورا راجلي اللي ما نعرفش كان هو ضحيتي وإلا هو طوق نجاتي.
سليم خرج للظلمة، وصوت خطوات ثقيلة بدأت تقرب من باب البيت.. وفجأة، ضوى كشاف قوي وجهه للداخل، وسمعنا صوت ضحكة باردة ومألوفة.. صوت خلى قلبي يوقف في بلاصتو.
كان صوت “منال”، بنت خالتي، اللي كانت ديما تقول إنها تتمنى لي الخير.. دخلت للدار وهي تهز في تليفونها وتصور، وقالت بصوت مليان شماتة: “الخطة نجحت يا سليم، والسر انكشف.. توا وقت الحقيقة، الحقيقة اللي ما كنتش تحب تصدقها!”
سليم جمد في بلاصتو، وأنا حسيت بركايبي يرجفوا.. الحكاية طلعت أكبر من مجرد “عذرية”.. الحكاية طلعت فيها ثأر قديم بين عايلتنا وعايلة منال، وأنا كنت الضحية اللي اختاروها بش يحرقوا قلب سليم.
سليم وقف كي الصنم، عينيه تحولوا لجمر من الغيظ وهو يشوف في منال داخلة لدارنا في ليلة عرسنا ببرود أعصاب غريب. منال كانت لابسة لبسة سهرية تلمع، ومكياجها صارخ، وتضحك ضحكة باردة خلات بدني يقشعر.
سليم قرب منها، صوته كان هادي لكنه يرجف بالكره: “منال.. إنتي اللي ورا هالمصيبة؟ إنتي اللي خططتي لكل شي؟”
منال قعدت على الصالون وحطت ساق فوق ساق، وقالت وهي تلعب بشعرها: “علاش مستغرب يا سليم؟ مو قلتوا اللي هي طاهرة وملاك؟ أهو الملاك طلع عنده أسرار… المهم، العرس هذا انتهى قبل ما يبدا. الفيديوهات والصور اللي عندي توة في يدين المحامي، وفضيحتكم غدوة الصباح تكون على كل لسان في الحومة وفي الفايسبوك.”
في اللحظة هذيكا، حسيت روحي قوية، الغيرة على كرامتي وكرامة سليم غلبت خوفي. خرجت من ورا ظهر سليم، ووقفت قدامها بثبات: “اسمعني يا منال، أنا ما نعرفش شنوه اللي عملتيه ولا كيفاش زورتي الحقائق، أما اللي نعرفه اللي ربي كاشفك. سليم ما يصدقش في الأوراق، سليم يصدق في قلبه، وقلبه يعرف شكون هي هنا.”
منال قامت، قربت مني وهمست في وذني: “قلبه؟ قلب سليم توا مسموم بالشك، والشك يا حلوة هو أقوى سم في الدنيا.”
سليم فجأة ضحك ضحكة قاسية، شد يد منال بقوة وخرج التلفون من يدها: “تظني اللي أنا غبي؟ منال، أنا كنت شاكك فيك من نهار اللي خطبت فيه، وعارف اللي الحكاية فيها إنّ. التلفون هذا اللي في يدي، فيه كل محادثاتك مع الطبيب اللي دفعتي له فلوس باش يزيف التقرير.”
منال وجهها تبدل، ولت بيضاء كالحيط: “شنوه؟ مستحيل!”
سليم كمل: “إي، مستحيل لأنك غبية. الطبيب هذا هو صاحبي، ومن النهار الأول قالي اللي فما شكون حاول يرشيه باش يفسد فحص العذرية، وعطاني كل التفاصيل. أنا خليتك تمثلي لعبتك للآخر باش نعرف شكون العدو الحقيقي، وهاكِ طحتِ في الفخ.”
بصيت لسليم بدموع الفرح والدهشة، سليم كان يخدم في خدمة ذكية. التفت لـ “منال” وقالها بنبرة مرعبة: “الشرطة راهي برا تستنى فيك، ومعاهم الدليل اللي يخليك تعفني في الحبس بقية عمرك. اخرج من داري قبل ما ننسى اللي إنتي بنت خالتي.”
منال خرجت مهزومة ومكسورة، والباب تسكر وراها.. الدار رجعت هادية، كان صوت تنفسنا المرتفع. سليم تلفت ليا، الدموع كانت في عينيه، قرب مني وضمّني لصدره بقوة لدرجة حسيت بقلبه يدق في ظهري: “سامحيني يا هنا.. سامحيني اللي شكيت فيك ولو للحظة، الشيطان دخل بيناتنا.”
غمرت راسي في صدره وبكيت بكل حرقة: “ما عادش يهم شي، دامنا مع بعضنا، دام الحقيقة ظهرت.”
في الصباح، وبعد ما الدنيا هديت، سليم هزني وخرجنا لبيت جديدة، قررنا نبعدوا على كل عين حسودة ونبنيوا حياتنا بعيد عن المؤامرات.. “سراب ليلة العمر” تحول لحقيقة، حبنا خرج من التجربة هذي أقوى من قبل، وبدينا نكتبوا أول فصل في كتاب حياتنا الحقيقي، خالي من أي كذب أو مؤامرة.








