أخبار

لغز الوصية الملعونة

 

قعدت الصدمة تدور في بيت الصابون وفي السقيفة الضيقة، والمنصف يخبط في راسه ويصيح كي المجنون، وإخواته وجوههم صفارت كـاللوحة، الطمع والغل يغلي في عروقهم. المنصف قرب مني وعينيه شاعلة نار، مد صبعه في وجهي وقال بصوت يرعش: “والله لا تتهنى بمليم يا مروان! الشايب هذا بويا وأحنا أولاد دمه، غدرت بينا وكلبت عليه أنت وأختي، القضاء بيناتنا والمحاكم توا تفسخ الأوراق الكاذبة هذه!”

لكن الأستاذ الفرجاني تبسم ابتسامة باردة، تبسم بثقة الراجل اللي يعرف روحه آش قاعد يعمل. رجّع نظاراته في جيبه، وحط يده فوق الصرّة البيضاء اللي مازال فيها طرف أوراق مطوية، وقال بصوت رزين هز الدار وهدّ النفوس: “سي المنصف، وسع بالك واقعد، الحكاية ما وفاتش هوني، والمرحوم الحاج الهادي ما خلى حتى ثغرة للقضاء. أما قبل ما تهدد بالمحاكم، اسمع الجزء الأخير والخطير من الوصية اللي يخصكم أنتم بالذات.”

سكت الناس الكل، حتى النفس تقطع. أسماء زادت كبست على يدي وهي ترعش، والمنصف قعد يتنفس بالقاوي وعينيه مصلبة في الأوراق. حل المحامي الورقة الأخيرة اللي كانت مخبية في قاع الجوان الأصفر، وبدا يقرا بخط الحاج الهادي اللي ولى توا يظهر كي السيف:

“وإلى أولادي اللي نسوني عشرين سنة، المنصف وإخوته، اللي ما تفكروني كان في الأعياد بـتلفون دقيقة، ولا جاو طلوا عليا وقت اللي كنت مريض وقريب نموت، نحبكم تعرفوا حاجة برك: الرزق هذا الكل اللي توا مسجل باسم مروان، راهو في الأصل رزقكم اللي خلاهولكم جدكم، وأنا قعدت عشرين سنة كاملة نصرف منه في السر على مشاريعكم الفاشلة وديونكم اللي كنت نخلص فيها من وراء الستار باش ما تتفضحوش وتدخلوا للحبوسات! نعم، أنا عشت عالة في دار نسيبي، باش فلوسي تمشي ليكم وأنتم عايشين في الفخفخة وكراهبكم الفاخرة، ومروان الميكانيكي كان ياكل في الخبز البايت ويدفع في دمي من عرق جبينه. وتوا، جاء وقت الحساب.”

هوني، المحامي سكت شوية، وغزر للمنصف اللي وجعتوا الكلمات ودمه هرب تمامًا، وكمل يقرا:

“أنا توا متّ، وخليت لمروان مش كان الأملاك، خليتله زادة الأوراق والدفاتر القديمة اللي تثبت كل مليم عطيتهولكم وكل شيك خلصته في بلاصتكم طوال عشرين سنة. والوصية متاعي واضحة ومسجلة: إذا المنصف أو أي واحد من إخوته يخمم يقدم قضية في إبطال الوصية ولا يقرب لدار مروان، فما على مروان كان يهز الدفتر الأزرق اللي في قاع الصرّة ويمشي بيه لوكيل الجمهورية، وقتها توا تلقاو رواحكم مطالبين بترجيع الملايين اللي خذيتوها في السر، ولا الموت وراء القضبان في قلب الحبس بتهمة التحيل وسرقة أموال الشراكة القديمة!”

الكلمات هذه نزلت على راس المنصف وإخواته كي الصاعقة اللي شقت الأرض تحت ساقيهم! تبدلت ملامحهم من الطمع للرعب الخالص. عرفوا اللي الحاج الهادي كان قاري حساب كل خطوة، وعارف خبثهم ومغطي على عيوبهم طوال سنين، لكنه في الآخر حفرلهم حفرة ما يخرجوش منها إذا خمّموا يغدروا بمروان.

المنصف طاح على الكرسي، يديه يرعشوا، وغزرلي بنظرة انكسار وذل عمري ما شفتها فيه. قام ببطء، من غير ما ينطق حتى كلمة، وخرج يجري من الدار وتب عوه إخواته وهوما يتلفّتوا وراهم بـخوف، كاينهم هاربين من شبح الحاج الهادي اللي مازال يدور في السقيفة.

بقيت الملايين والأملاك والشهادات مطيشة فوق الطاولة قدامي، لكن عيني ما شافتش الفلوس. مشيت لبيت الشايب، البيت الصغيرة اللي بجنب بيت الصابون، حليت الباب ودخلت. كانت ريحة بخور “الجاوي” وريحة شاشيته الحمراء مازالت فواحة في البلاصة. قعدت على فرشه البسيط، وحطيت راسي بين يديا وبكيت بكاء مرير، بكاء ندم على كل نهار شفت فيه الراجل هذا عبء عليا. الحاج الهادي ما كانش حِمل ثقيل، كان هو السقف الخفي اللي حاميني من غدر الزمان، وكان عاطيني بركة الدنيا وهو ساكت، مستحمل قلة صبري وضيق حالي، باش في الآخر يخليني سيد الناس ورافع راسي أمام الكل. تمنيت في اللحظة هذيكة لو كان يرجع، يرجع يشرب كاس تاي من يديا، وياخذ مالي وعمري الكل، ويبقى ديما البركة اللي منورة داري.

زر الذهاب إلى الأعلى
هنا