أخبار

الوردة واللقاء

تجمدت ريم في مكانها، الهاتف يكاد يسقط من يدها. نظرت إلى يوسف، ثم إلى الشاشة، ثم إلى وجه يوسف الذي تحول إلى قناع من الصدمة والذهول. كان الزمن قد توقف في تلك اللحظة؛ أصوات الحفل، ضجيج المدرسة، وتصفيق الناس تلاشى كله، ولم يبقَ إلا دقات قلوبهم التي تتسارع بشكل جنوني.
خطف يوسف الهاتف برفق من يد ريم، واقترب من السماعة وصوته يرتجف: “منية؟ منية العياري؟ جاوبيني، شنوة اللي تقولي فيه؟ مريم وينها؟ علاش خلّيتوني نعيش في كذبة طوال السنين هاذم؟”
جاء صوت الجدة منية، ضعيفاً ومتهدجاً بالبكاء من الجهة الأخرى: “يا يوسف.. يا وليدي، الكبر والوجع خلوني نراجل ونحكي الحقيقة. عيلتنا كانت رافضة زواجكم، قالوا أنت من طبقة وهما من طبقة، هددوني بريم.. هددوني باش يحرموني منها إذا ما مشيتش في كذبة ‘السفر والزواج’. مريم ماتت وهي تحمل سرك، وريم.. ريم هي قطعة من روحك اللي خبّيتها عليك باش ما يفكوهاليش.”
سقط يوسف على ركبتيه أمام ريم. لم يعد يرى حفل التكريم ولا الناس الذين بدؤوا يتجمعون حولهما بدافع الفضول. أمسك يوسف يدي ريم الصغيرتين بين يديه، اللتان كانتا ترتجفان من هول الموقف. نظر في عينيها اللتين تشبهان عيني “مريم” تماماً، وقال بصوت مخنوق بالدموع: “ريم.. سامحيني.. ما كنتش نعرف.. ما كنتش نعرف اللي كنت نحارب الدنيا الكل باش نلقى طريق يرجعني ليك، وما كنتش نعرف اللي الطريق كانت قدامي كل يوم.”
نظرت ريم إليه، وعلامات الحيرة والدهشة تملأ وجهها. كانت الطفلة الصغيرة التي تمنت فقط “أباً ليوم واحد”، تجد نفسها فجأة أمام حقيقة ستغير حياتها للأبد. ببطء، مدّت يدها ومسحت دمعة من خد يوسف، وقالت ببراءة الطفولة التي تسبق عمرها: “يعني.. أنت مش بابا ليوم برك؟”
غمرها يوسف في حضنه بقوة، وكأنه يريد أن يخبئها من كل ألم عاشته في غيابه، وقال بصوت حازم: “أنا بوك للأبد يا ريم. ومن اليوم، ما عادش فما وحدة، ما عادش فما دموع.. اليوم، ريم العياري ولات بنت يوسف الخطيب، وهذا وعد من قلبي.”
في تلك اللحظة، عمّ الصمت أرجاء المدرسة. لم يعد الحفل حفل توزيع جوائز، بل كان شاهداً على لقاء أرواحٍ أضناها الفراق. التفت يوسف إلى الحاضرين، ثم نظر إلى ابنتة ريم التي كانت لا تزال تمسك بوردة الكاغط، وابتسم. لقد كانت ريم هي الجائزة الحقيقية التي فاز بها في ذلك اليوم، الجائزة التي لم يمنحه إياها المدير، بل منحه إياها القدر في أعظم “نهار” في حياتهما.
تغيرت حياة ريم في تلك الساعة؛ انتقلت من بيت الجدة المريض إلى حضن الأب الذي طالما تمنته، بينما قرر يوسف أن يكرس حياته لتعويض ريم عن سنوات اليتم، وأن يحقق وصية مريم التي لم يقرأها يوماً، لكنه عاشها في عيني طفلته الصغيرة.

زر الذهاب إلى الأعلى
هنا