عندما تنقلب الطاولة

تجمدت يدي على الهاتف، وتلاشت كل علامات الانكسار والضعف التي كانت تملأ وجهي قبل لحظات. مسحت دمعة حارة كانت تحاول الهرب من عيني، ورفعت رأسي بكل شموخ. خالد كان يقف أمامي يرتجف، يحاول إيجاد مبرر، لكن الميساج الذي وصلني جعل من مبرراته مجرد هراء لا قيمة له.
قلت له بصوت هادئ، هدوء يسبق العاصفة: “تعبت روحك ياسر في التمثيل يا خالد. الكرهبة والطفلة والسلسلة.. الكلهم تفاصيل صغيرة مقارنة باللعبة اللي كنت تحسابني غافلة عليها”.
نظرت للفتاة التي كانت تنظر إليّ باحتقار، ثم عدت لأنظر في عيني خالد: “خالد، تتفكر وقتلي قتلي ‘فلسنا’؟ يومها، وقبل ما تطلب مني نبيع ذهبي، كنت مشيت للمحاسب بتاع شركتك، خاطرني كنت شاكة في تصرفاتك الغريبة. وقتها اكتشفت اللي أنت مش فلسنا، أنت كنت قاعد تنقل في أصول الشركة باسم شركة أخرى وهمية فتحتها أنت، وبديت تبيض في فلوسها بعيد عليّ”.
شحب وجه خالد تماماً، وبدأ يتلعثم: “نادية، اسمعي.. الأمر موش كيما تتخيلي..”.
قاطعته بضحكة باردة: “الميساج اللي جاني توة هو من المحامي. الأوراق اللي صورتهم قبل ما نبيع ذهبي بأسبوعين، والوثائق اللي تثبت التحويلات البنكية المشبوهة، الكلهم صاروا عند السلطات. أنت يا خالد ما كنتش مفلس، أنت كنت قاعد تسرق في مستقبلك ومستقبل ولادك باش تبني حياة تافهة مع وحدة ما تسواش”.
التفتُّ إلى الفتاة وقلت لها: “استمتعي بالذهب اللي في يدك، راهو ثمنه خيانة راجل لمرته وصغاره، ومصيره في الأخير باش يكون محجوز كدليل في قضية تبييض أموال”.
تركتهم في وسط الشارع، وسط ذهول المارة وانهيار خالد الذي أدرك أخيراً أن “السذاجة” التي كان يظنها فيّ، كانت مجرد غطاء لذكاء وحذر لم يتوقعه. لم أعد للمنزل، بل توجهت مباشرة نحو حياة جديدة، حيث الكرامة أغلى من الذهب، والحق لا يضيع طالما كنت مستعدة للمواجهة.








