أخبار

طليقتي.. في غرفة العمليات

تجمّد ماجد في مكانه للحظة. لون السائل الأمينوسي كان يحمل دلالة طبية خطيرة، لكن عقله كان معلقاً في مكان آخر تماماً. كيف لم يعرف؟ كيف خُدع هو، الطبيب الحاذق، بكل تلك الأشهر؟
“دكتور؟ الحالة تتدهور!” صرخت الفرملية وهي تحاول تعديل أجهزة الضغط.
استجمع ماجد كل قوته، وتجاهل العاصفة التي تضربه في صدره. غاصت يداه في عالم الجراحة، عالم يتقنه أكثر من فهمه لقلبه. بحركة دقيقة، استخرج الجنين، لكن الصمت في الغرفة كان خانقاً. لا صرخة، لا حركة.
“دكتور، الطفل!”
بسرعة البرق، سلّم ماجد الطفل لفريق طب الأطفال، ثم عاد لتركيزه كله على سيرين. كانت تنزف بشكل غير طبيعي. “نزيف حاد! حضروا أكياس الدم بسرعة، فصيلة O سالب!”
مرت الدقائق كأنها دهر. كانت الغرفة تعج بالحركة، وصوت الأجهزة يتداخل مع أنفاسه المتقطعة. ظل يراقب سيرين، يراقب وجهها الشاحب الذي كان يذكره بكل لحظة حب ضيعها بكلمة قاسية.
فجأة، اخترق السكون صوت ضعيف.. بكااااااء.
كان طفلاً، لكنه كان صغيراً جداً، يحمل ملامح مزيج من سيرين وربما.. ماجد نفسه.
سيرين فتحت عينيها ببطء، غشاوة البنج لا تزال تسيطر عليها. همست بصوت لا يكاد يُسمع: “هل هو.. هل هو حي؟”
ماجد، الذي كان يغلق الجرح ببراعة، لم يرفع رأسه. قال بصوت مرتجف هذه المرة، وقد فقد كل ملامح البرود الطبي: “حي.. وعنيد مثلك.”
سكت قليلاً ثم أضاف، وهو ينظر إليها مباشرة لأول مرة بعد عملية دامت ساعات: “سيرين.. كيف؟ كيف بعد سبعة أشهر من الطلاق، والطفل في شهره التاسع؟ أنتِ كنتِ حاملاً قبل أن أطلقكِ بأسابيع! لماذا لم تخبريني؟ لماذا تركتني أعيش كل هذه الشهور وأنا أحمل ذنب كذبتي؟”
سيرين أغمضت عينيها والدموع تنزلق على وجنتيها: “لأنك يا ماجد، طلقتني لأنك لم تردني كزوجة، بل كنت تريدني ‘وعاءً’ لأولادك. عندما اكتشفتُ الحمل، قررتُ أن يكون طفلي لي وحدي.. طفلاً لن يربيه رجلٌ حكم على أمه بالعقم في لحظة غضب.”
سقط المشرط من يد ماجد على الصينية المعدنية، محدثاً صوتاً رنّ في أرجاء الغرفة، صوتاً كان إعلاناً لنهاية ماجد القديم، وبداية صراع طويل لمواجهة الحقيقة التي ولدت للتو أمام عينيه.

زر الذهاب إلى الأعلى
هنا