آمال سفطة… سيدة الأداء الصادق وذاكرة الدراما التونسية

آمال سفطة… سيدة الأداء الصادق وذاكرة الدراما التونسية.
في ركنٍ هادئ من ذاكرة الدراما التونسية، تقف آمال سفطة شامخة، لا بالصخب الإعلامي ولا بالبطولات الاستعراضية، بل بحضورها الأصيل الذي يشبه نغمةً قديمة في وجدان المشاهدين. ولدت آمال سنة 1957 في بنغازي، لكنها سكنت قلوب التونسيين بصوتها، بأدوارها، وبتلك الكاريزما التي لا تشبه أحدًا.
بدأت مسيرتها الفنية في فضاءات الثقافة والفكر، حيث كانت من روّاد النادي الثقافي الطاهر الحداد. هناك، تفتّحت موهبتها وسط النقاشات الأدبية والحلقات المسرحية، وتدرجت في عالم الفن بتؤدة وثقة. لم تكن آمال تبحث عن الأضواء، بل كانت تفتش عن المعنى، عن الأدوار التي تلامس الإنسان الحقيقي داخل كل مشاهد.
عرفها الجمهور عبر الشاشة الصغيرة في مسلسلات مثل “الليالي البيض”، “مكتوب”، “دار الخلاعة”، و”بين الثنايا”، حيث قدّمت أدوارًا تنوعت بين الأم، المرأة القوية، المعذّبة، والمتمردة. ما ميّزها دومًا هو قدرتها على تحويل الدور البسيط إلى لحظة درامية مؤثرة، تُبنى على الصمت كما تُبنى على الكلام. كانت تؤمن أن التمثيل ليس تقمّصًا شكليًا، بل تعبير داخلي عميق عن المشاعر والتجارب الإنسانية.
لم يقتصر إبداع آمال سفطة على التمثيل، بل تعدّاه إلى مجالات أخرى كالشعر والترجمة والكتابة الصحفية. نشرت نصوصًا نقدية وثقافية في مجلة “Réalités”، ما كشف عن عقل متزن وواعٍ بقضايا الفن والمجتمع. هذا البُعد الثقافي جعل منها فنانة متكاملة، ترى في الفن رسالة لا مجرد وسيلة شهرة.
تعرّضت آمال في حياتها لتجربة صحية قاسية، بعد إصابتها بسرطان الثدي. لكنها واجهت المرض بإرادة لا تلين، وتجاوزت المحنة كما تتجاوز الفنانة الحقيقية أصعب أدوارها على الركح. تلك التجربة زادتها قوة ونضجًا، بل أعادت تشكيل نظرتها للحياة وللفن، كما صرّحت في إحدى حواراتها الصحفية: “عشت الألم ثلاث سنوات، لكنه منحني بُعدًا جديدًا لمعنى الوجود”.
اليوم، ورغم مرور الزمن وتقلّب الأضواء، ما تزال آمال سفطة اسمًا يثير الاحترام والتقدير. قد تغيب أحيانًا عن الأعمال الدرامية، لكنها لا تغيب عن الذاكرة. في كل مرة يُعاد فيها بث مسلسل شاركت فيه، أو تُستحضر شهادتها في ندوة ثقافية، يعود الجمهور ليكتشف من جديد تلك الفنانة التي لا تشبه إلا نفسها.
آمال سفطة ليست مجرّد ممثلة، بل أيقونة تمثّل جيلًا من الفنانين الذين آمنوا بأن الفن التونسي يمكن أن يكون أصيلًا، صادقًا، ومعبّرًا. وهي، رغم كل شيء، ما زالت مستعدة للعودة، حتى في دور صغير، لأن الفن في نظرها ليس دورًا… بل حياة.








