أخبار

بقايا وفاء

ساد صمت جنائزي في الشارع. كلمة “طالق” ترددت أصداؤها بين العمارات وكأنها رصاصة اخترقت هدوء الليل. تهاني لم تصدق أذنيها، سقطت على ركبتيها، الأرض التي كانت تتمنى أن تبتلعها، بدت وكأنها تلفظها.
أحمد كان يراقب المشهد بملامح باردة، قلبه الذي كان ينبض يوماً من أجل تهاني، مات في اللحظة التي أدارت له فيها ظهرها. نظر إلى “شهد” التي كانت ترتجف من هول الصدمة والفرحة الممزوجة بالخوف، فأمسك يدها بلطف، معلناً أمام الجميع أنها أصبحت “سره ومستقره”، وأن كلام أمه لم يكن مجرد ورقة ضغط، بل إشهاراً لواقع جديد.
علي، الذي أفرغ غضبه في طلاقٍ لم يدرك بعد عواقبه القانونية والاجتماعية، نظر إلى “سي حمدي” – الحارس الفتّان – الذي كان يختبئ خلف عمود الكهرباء. اقترب منه علي بخطوات ثقيلة، أمسكه من ياقة قميصه وقال بصوت خافت مرعب: “أنت السبب.. أنت اللي أشعلت النار بالفتنة، نصيحتي ليك، احزم حقائبك وغادر الحومة قبل ما يطلع الصباح، خاطر اللي شفتو الليلة ما يجيش واحد في المائة من اللي باش يصير فيك كان بقيت”.
فرّ “سي حمدي” كالفأر المذعور، تاركاً خلفه حارة تعجّ بالنميمة والأحداث.
تهاني، التي وجدت نفسها وحيدة في منتصف الشارع، نظرت إلى أحمد. رأت في عينيه لأول مرة “الغريب”. لم يعد ذلك العاشق الذي ينتظر نظرة منها، بل أصبح رجلاً آخر، رجلًا اختار “الأنظف” كما قالت أمه، واختار الكرامة.
مرت الأيام، وتحولت “الفضيحة” إلى درس يتناقله أهل الحومة. شهد وأحمد عقدا قرانهما في حفل بسيط، كان الرد الأمثل على كل من حاول النيل منهما. أما تهاني، فقد عادت لبيت أهلها “مطلقة” تجر أذيال الخيبة، تدرك متأخرة أن القلوب إذا انكسرت، لا تجبرها الكلمات، وأن “الذهب” الذي استردّه أبوها في الماضي كان ثمناً رخيصاً مقابل خسران حياة كاملة.
وعلي؟ لم يجد في طلاقه الراحة التي كان يرجوها، بل وجد نفسه غارقاً في دوامة ندم لا تنتهي، يرى شهد وأحمد يمران من أمامه كل يوم، وهما يبنيان “بيتاً” حقيقياً، بينما هو بقي وحيداً في “داره” التي خلت من كل شيء، إلا من ذكريات “التكشبيش” ومرارة القرارات المتهورة.
انتهت القصة، وبقيت الحومة شاهدة على أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها دائماً ما تخرج لتضع كل شخص في مكانه الذي يستحقه.
هل تعتقد أن علي كان ظالماً في قراره أم أن “الحرقة” التي في قلبه بررت تصرفه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
هنا