البلاصة اللي خذات بلاصتي

التفتّ ببطء، وقلبي يدق كأنه طبل في صدري. الشاب اللي واقف ورايا مش أي شخص.. كان “مراد”! مراد، صديق طفولتي، اللي كان أقرب ليا من خوي، واللي كان يعرف كل تفاصيل حياتي وتفاصيل انهيار زواجي بـ “إيناس”.
وقفت مصدوم، لساني تلبد، والكلمات هربت من فمي. مراد كان لابس “كوستيم” أزرق داكن، ملامحو حادة، ونظراته ليا كانت مليانة شماتة وبرود.. نظرات واحد تعب من كونه “الصديق المخلص” لواحد أناني كيفي.
مراد قرب مني خطوة، حط إيده على كتفي وبنبرة هادية لكنها تقطع زي السكين، قالي: “سليم.. يا ولد حومتي، لاباس؟ جيت من الغربة باش تباركلي ولا باش تفسدلي فرحتي؟”.
إيناس، اللي كانت تتفرج فينا بكل ثقة، زادت كملت عليه: “سليم، أحب نعرفك.. مراد مش بس خطيبي، مراد هو اللي وقف معايا في أصعب لحظات حياتي كي كنت إنت لاهي في ‘مشاريعك’ ومسافر.. هو اللي ربى ياسين في غيابك، وهو اللي ولدي يعتبره بوه”.
جملة “هو اللي ولدي يعتبره بوه” كانت أقصى من أي ضربة. حسيت بالدنيا تدور بيا. مراد، اللي كنت نأتمنه على أسراري، هو اللي سرق حياتي؟ هو اللي استغل طلاقي باش ياخذ كل شيء؟
حاولت نجمع شتات نفسي، وصحت فيه: “مراد! إنت؟ خنت العيش والملح؟ خنت الصحبة؟ إيناس كانت مرتي، وأنا مازلت بو الولد!”.
مراد ضحك ضحكة باردة وقالي: “العيش والملح يا سليم يذوبوا مع قلة التقدير. إنت ما كنتش تشوفها، ما كنتش تسمعها، وما كنتش تعرف قيمتها إلا كي لقيت بلاصتك خذات حد يعرف يصونها. إيناس مش “ممتلكات” سيبتها ورجعت حبيت تسترجعها.. إيناس إنسانة تعبت معاك، وأنا اللي هزيتها من تحت الردم”.
حسيت روحي صغير، “نكرة”، قدام ثقتهم في بعضهم. إيناس هزت يد مراد، وبصتلي نظرة شفقة أخيرة وقالتلي: “يا سليم، كان تحب تحكي في موضوع ياسين، مراد هو اللي باش يتولى كل شيء من توة.. وكيما قتلك، حياتنا ولات كتاب مسكر بالنسبة ليك”.
خرجت من البوتيك كأني سكران، ما نعرفش وين نمشي. الشارع في سكرة كان ضاوي، والناس لاهية في حياتها، وأنا في لحظة خسرت كل شيء.. خسرت مرتي، خسرت صاحبي، والأدهى إني خسرت ابني اللي توة عنده “بو” جديد اختاره هو وأمه، بفضل قسوتي وعنادي.
وقفت وسط الكياس، نزل المطر، ومسحت وجهي بيديا.. عرفت وقتها إن “الكسر” اللي حكيت عليه إيناس، كان كسر في روحي أنا، مش فيها هي.








